يعيد الاقتصاد الرقمي تشكيل مسارات التحديث في الاقتصادات الناشئة، إذ يتقاطع مع التحول الصناعي والانفتاح التجاري وكفاءة الطاقة والعدالة الاجتماعية، غير أن أثره لا يسير في خط مستقيم، فقد تختلف نتائجه باختلاف مستويات التطور الرقمي وكفاءة الأسواق والتقدم التقني، وبين المناطق المتقدمة والمتأخرة داخل الدولة الواحدة
وتقدم الصين حالة غنية لدراسة هذه العلاقة، إذ راكمت تجربة ممتدة في بناء الاقتصاد الرقمي بالتوازي مع سعيها إلى تحديث ذي طابع خاص يجمع بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية والشمول الاجتماعي
وفي هذا السياق فحصت الدراسة أثر الاقتصاد الرقمي الصيني في التحديث المستدام على مدى أكثر من عقد، مستخدمة بيانات لوحات المقاطعات ونماذج العتبة والوساطة للكشف عن قنوات الأثر وعتباته
وتتعدد قنوات هذا التأثير بين رفع كفاءة الإنتاج وإعادة هيكلة الصناعات وتوسيع التجارة وتغيير أنماط الاستهلاك والطاقة، لكن هذه القنوات لا تعمل بقوة واحدة في كل مكان، إذ تتوسطها البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري ونضج المؤسسات الحاكمة للتحول
كما يثير التحول الرقمي أسئلة حول توزيع مكاسبه بين الأجيال والمناطق وبين رأس المال والعمل، ما يجعل قياس أثره الاجتماعي والبيئي لا يقل أهمية عن قياس أثره الاقتصادي المباشر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أثر اقتصاد الصين الرقمي في التحديث المستدام خلال الفترة من 2011 إلى 2021 باستخدام بيانات بانل على مستوى المقاطعات، وتطبيق نماذج العتبة لتحديد المستويات التي يتغير عندها اتجاه الأثر أو حجمه، ونماذج الوساطة للكشف عن القنوات التي يعمل عبرها هذا الأثر، مع التمييز بين التحديث الاقتصادي والاجتماعي وبين المقاطعات الشرقية والغربية، وتوظيف إطار نظري يوسع منحنى كوزنتس البيئي إلى مجال الاقتصاد الرقمي ويربط النتائج بأهداف التنمية المستدامة ذات الصلة وامتدت المقارنة إلى أبعاد بيئية واجتماعية فلم يقتصر مفهوم التحديث على الناتج والدخل، بل شمل الكفاءة البيئية والعدالة في توزيع ثمار النمو بين المقاطعات والفئات
ثانيًا: أبرز النتائج
أولها: عزز الاقتصاد الرقمي التحديث عبر قناتين وسيطتين هما الترقية الصناعية بتأثير وسيط بلغ 38 في المئة والانفتاح التجاري بمعامل بلغ 0.234
ثانيها: كشفت النتائج عن تأثيرات عتبية غير خطية على شكل حرف يو عند مستويات محددة من التطور الرقمي بلغت 2.218 ومن كفاءة السوق بلغت 9.212 ومن التقدم التقني بلغت 12.224
ثالثها: استفادت المقاطعات الشرقية بدرجة كبيرة بمعاملات تراوحت بين 0.12 و0.15، في حين شهدت المناطق الغربية بعض الكبح في البداية بمعامل بلغ سالب 0.08
رابعها: أدت الرقمنة الصناعية بمعامل 0.13 ومنظومات الابتكار بمعامل 0.09 أدوارًا حاسمة في دفع الكفاءة البيئية والعدالة بما يتوافق مع الهدفين التاسع والثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة، بينما تأخر أثر البنية التحتية بمعامل 0.07 والتصنيع بمعامل 0.085
خامسها: تحسن التحديث الاقتصادي بمعامل بلغ 0.37 في حين تراجع التحديث الاجتماعي بمعامل بلغ سالب 0.12، بما يكشف عن توازن غير مكتمل في ثمار التحول الرقمي
سادسها: بينت النتائج أن تجاوز العتبات المحددة يغير طبيعة العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والتحديث، فما دونها قد تضعف الآثار أو تنعكس، وما فوقها تتسارع المكاسب وتتراكم بمرور الوقت
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تترتب على هذه النتائج توصيات سياساتية متدرجة تشمل بناء بنية تحتية رقمية خضراء وتطبيق تسعير الكربون ودفع التحول الرقمي في الريف، وهي توصيات قابلة للتطبيق في الصين وتقدم مراجع قيمة للاقتصادات الناشئة الساعية إلى نمو شامل منخفض الكربون في العصر الرقمي، وتدعو الدراسة البحوث المستقبلية إلى استكشاف الآليات المتباينة للتقنيات الرقمية المختلفة عبر المناطق وتحسين توليفات السياسات بما يوازن بين الابتكار الرقمي وأهداف التنمية المستدامة كما تحذر النتائج من افتراض أن ضخ الاستثمارات الرقمية وحده يكفي، فالمقاطعات المتأخرة تحتاج أولًا إلى تجاوز عتبات الكفاءة والتقدم التقني قبل أن تحصد المكاسب ذاتها التي حصلتها المقاطعات المتقدمة
وخلاصة القول إن الاقتصاد الرقمي محرك قوي للتحديث المستدام مشروط بمستويات التطور والسياسات المرافقة، وإن موازنة الابتكار الرقمي مع العدالة الاجتماعية وكفاءة البيئة تظل التحدي المركزي أمام صانعي السياسات
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/8/215
DOI: 10.3390/economies13080215
