تحتل قضايا الاستدامة البيئية موقعًا متقدمًا في أولويات دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا التي تشهد نموًا اقتصاديًا متسارعًا يصاحبه تصاعد في استهلاك الطاقة وتزايد في الضغوط على الموارد الطبيعية، وتتعدد العوامل المؤثرة في البصمة البيئية لهذه الدول بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وحجم اقتصاد الظل الذي يعمل خارج الأطر الرسمية للرقابة والتنظيم، غير أن العلاقة بين هذه العوامل والبصمة البيئية لم تحظ بفحص شامل يضمها في إطار واحد
وتفحص هذه الدراسة أثر النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة واقتصاد الظل والاستثمار الأجنبي المباشر في البصمة البيئية في دول الرابطة، وتختبر مدى انطباق فرضية منحنى كوزنتس البيئي التي تفترض أن العلاقة بين النمو والتلوث تأخذ شكل حرف مقلوب بحيث تتحسن البيئة بعد بلوغ مستوى معين من الدخل، وصولًا إلى توصيات سياساتية توفق بين طموحات النمو ومتطلبات الاستدامة البيئية في المنطقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بيانات لوحية لتسع دول أعضاء في الرابطة هي بروناي وكمبوديا وإندونيسيا ولاوس وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام، غطت الفترة من عام 1993 إلى عام 2017 بحسب توافر البيانات، ولضمان متانة النتائج وظفت الدراسة مجموعة من التقنيات القياسية للبيانات اللوحية شملت اختبارات الاعتماد المقطعي وجذور الوحدة اللوحية والتكامل المشترك، وأساليب تقدير منها الأخطاء المعيارية لدريسكول وكراي والمربعات الصغرى المعممة الممكنة والأخطاء المعيارية المصححة للبيانات اللوحية، بما يسمح بالتحقق من ثبات العلاقات المقدرة عبر النماذج المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- لم تدعم النتائج وجود علاقة على شكل حرف مقلوب بين النمو الاقتصادي والبصمة البيئية وفق فرضية منحنى كوزنتس البيئي في دول الرابطة، بما يعني أن النمو وحده لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسن البيئة في هذه الدول
٢- أظهر استهلاك الطاقة أثرًا إيجابيًا دالًا إحصائيًا في البصمة البيئية بثبات عبر مقدرات دريسكول وكراي والمربعات الصغرى المعممة الممكنة والأخطاء المعيارية المصححة، فكلما ارتفع استهلاك الطاقة اتسعت البصمة البيئية
٣- أظهر حجم اقتصاد الظل بدوره أثرًا إيجابيًا دالًا إحصائيًا في البصمة البيئية عبر المقدرات الثلاثة، بما يشير إلى أن الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية تفلت من الضوابط البيئية وتسهم في تفاقم الضغوط على الموارد
٤- جاء أثر الاستثمار الأجنبي المباشر إيجابيًا دالًا إحصائيًا في البصمة البيئية كذلك، بما يوحي بأن تدفقات الاستثمار الواردة إلى المنطقة ارتبطت بأنشطة تزيد الأعباء البيئية ما لم تصاحبها ضوابط ومعايير بيئية صارمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بأن توائم دول الرابطة سعيها إلى النمو الاقتصادي مع درجة أعلى من الاستدامة البيئية، عبر خفض استهلاك الطاقة خفضًا استراتيجيًا والحد من اقتصاد الظل وإدارة الاستثمار الأجنبي المباشر بمسؤولية بيئية، فالحد من الأنشطة غير الرسمية يخضعها للضوابط البيئية ويقلص أثرها، واشتراط المعايير البيئية في الاستثمارات الواردة يحولها من عبء بيئي إلى رافد للتنمية النظيفة، كما تفيد النتائج صانعي السياسات في المنطقة بأن مسار تحسن البيئة لا يتحقق تلقائيًا مع النمو بل يحتاج إلى سياسات مقصودة ومتزامنة في الطاقة والاقتصاد والاستثمار
وتتسق هذه النتائج مع أدبيات الاقتصاد البيئي التي تشير إلى أن الأنشطة غير الرسمية تعمل غالبًا خارج منظومات الرصد والامتثال البيئي، فتستخدم تقنيات أقدم وأكثر تلويثًا وتتجنب كلف الالتزام بالمعايير، كما أن تدفقات الاستثمار الأجنبي قد تتجه إلى القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والموارد في الدول النامية طمعًا في انخفاض كلف الإنتاج، وهو ما يعرف في الأدبيات بفرضية ملاذات التلوث، ومن ثم فإن معالجة البصمة البيئية تقتضي سياسات متكاملة تستهدف هذه القنوات مجتمعة لا منفردة
وخلاصة القول إن البصمة البيئية في دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا تتسع بفعل استهلاك الطاقة واقتصاد الظل والاستثمار الأجنبي المباشر جميعًا، دون أن يقدم النمو الاقتصادي وحده مسارًا تلقائيًا للتحسن البيئي كما تفترض فرضية كوزنتس، وهو ما يجعل الاستدامة خيارًا سياساتيًا واعيًا لا نتيجة حتمية للنمو
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/9/258
DOI: 10.3390/economies13090258
