يحتل إعداد المعلمين قبل الخدمة موقعًا محوريًا في منظومات التعليم، غير أن برامج هذا الإعداد كثيرًا ما تُنتقد لافتقارها إلى التماسك وضعف قدرتها على تهيئة الطلاب المعلمين لممارسة مهنة التدريس فعليًا، إذ يظل الربط بين النظرية والتطبيق وبين الجامعة والمدرسة حلقة مفقودة في تجربة كثير من الطلاب المعلمين، وتبرز الحاجة تبعًا لذلك إلى صيغ مبتكرة تنقل الميدان التربوي إلى داخل الحرم الجامعي وتمنح الطلاب خبرات واقعية من الصفوف الدراسية الفعلية قبل انخراطهم في التدريب الميداني، وتأتي أهمية هذه الصيغ من كونها تخفف الفجوة المزمنة بين ما يتعلمه الطالب المعلم في القاعات الجامعية وما يواجهه حين يقف أمام طلابه لأول مرة، وتتناول هذه الدراسة إحدى هذه الصيغ الرقمية الواعدة وتختبر إمكاناتها وحدودها في سياق تعليم معلمي المرحلة الثانوية
وتنبع أهمية مثل هذه الأدوات من التحول الرقمي الذي يعيد تشكيل إعداد المعلمين، فلم يعد نقل خبرة الميدان إلى الجامعة رهنًا بالزيارات الميدانية محدودة العدد والزمن، بل صار ممكنًا بث الصف الدراسي ذاته إلى قاعة المحاضرات، وتبقى الأسئلة المفتوحة حول شروط نجاعة هذا النقل وحدوده هي ما يجعل اختباره الميداني المنظم ضرورة بحثية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية نقل ميدان الممارسة إلى الحرم الجامعي عبر الموارد الرقمية بما يهيئ الطلاب المعلمين للتدريب الميداني ويبني جسورًا بين النظرية والممارسة وبين المدرسة والجامعة، واختبرت الدراسة أداة الفصل الدراسي الحي عن بُعد التي تتيح للطلاب المعلمين وهم داخل الحرم ملاحظة درس حقيقي يُبث مباشرة من مدرسة شريكة فيعيشون مواقف تعليمية أصيلة دون مغادرة جامعتهم، واعتمدت الدراسة منهج البحث الإجرائي، إذ تعاون أربعة من معلمي المعلمين في برنامج إعداد معلمي المرحلة الثانوية في النرويج مع معلمة مدرسة وطبقوا الأداة ووثقوا تجربتهم، وجُمعت البيانات من مقابلة مع المعلمة المشاركة ومن مقابلة مجموعة مركزة مع الطلاب المعلمين ومن السجلات التي دوّنها معلمو المعلمين أنفسهم أثناء تأملهم لتيسيرهم هذا الترتيب، ثم حُللت المادة للوقوف على ما أتاحته الأداة من فرص وما اشترطته من ظروف لنجاحها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأداة قادرة على خلق فرص حقيقية لتهيئة الطلاب المعلمين للتدريس حين تتوافر شروط بعينها، ويمكن إجمال أبرز ما توصلت إليه الدراسة في النقاط الآتية
1- أتاحت الأداة مواقف ممارسة أصيلة إذ عايش الطلاب المعلمون دروسًا حقيقية بوقائعها وتفاعلاتها، وهو ما قرّب خبرة الحرم الجامعي من واقع الصف الدراسي الفعلي
2- أسهمت هذه المعايشة في تهيئة الطلاب للتدريس عبر ربط ما يدرسونه نظريًا بما يرونه مطبقًا أمامهم، فتعززت الصلة بين الجامعة والمدرسة وبين المعرفة النظرية وقرارات الممارسة
3- تبين أن دعم الطلاب المعلمين في تحليل الدرس الملحوظ شرط أساس لتحقق الفائدة، فالملاحظة وحدها لا تكفي ما لم تُوجَّه أنظارهم إلى عناصر الدرس ودلالاته التربوية بصورة منظمة
4- اتضح أن التعاون مع معلمة مدرسة قادرة على إظهار خياراتها المهنية صراحة وتفسير قراراتها أثناء الدرس وبعده عنصر حاسم في نجاح الترتيب، إذ ينقل للطلاب منطق الممارسة الخبير لا صورتها الخارجية فقط
5- أكدت التجربة أن جدوى الأداة لا ترتبط بتوافر التقنية ذاتها بقدر ما ترتبط بتصميم الموقف التعليمي المحيط بها، من إعداد الطلاب لما سيلاحظونه وتنظيم النقاش حوله وربطه بمفاهيم مقرراتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية لبرامج إعداد المعلمين، فهي تدعو إلى توظيف البث الحي للدروس بوصفه جسرًا بين مقررات الحرم والتدريب الميداني، مع بناء أنشطة تحليل موجهة حول الدرس الملحوظ واختيار معلمي مدارس قادرين على تأمل ممارساتهم وتفسيرها، كما تفتح الباب أمام توسيع فرص المعايشة الصفية للطلاب دون قيود الحضور الميداني الكامل في المراحل المبكرة من الإعداد
وتشير الدراسة ضمنًا إلى أن تعميم هذه الصيغ يستلزم شراكات مستقرة بين الجامعات والمدارس يتقاسم فيها الطرفان التخطيط والتقويم، وإلى أن تدريب معلمي المعلمين أنفسهم على تيسير جلسات البث والتحليل شرط لا يقل أهمية عن توافر البنية التقنية
وخلاصة القول إن الفصل الدراسي الحي عن بُعد صيغة واعدة لتقريب الميدان من الجامعة متى أُحسن توظيفها بشروطها، فهي لا تغني عن التدريب الميداني المباشر لكنها تهيئ له وتثري الإعداد النظري بخبرات أصيلة قابلة للتحليل والتأمل المشترك
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/2/180
DOI: 10.3390/educsci13020180
