تجعل الوفرة العالمية للمعلومات عملية انتقائها أمرًا صعبًا، لكنها في الوقت نفسه تتيح بناء تعليم لا يفترض معرفة سابقة خاصة لدى الطلاب، إذ يستطيع المتعلم أن ينطلق من خبرته وملاحظته ليبني فهمه تدريجيًا بتوجيه من المعلم، غير أن هذا النمط من التعليم يفرض على المعلمين اكتساب قدرات جديدة لم تكن مطلوبة في التدريس التقليدي، منها تطوير تغطية أوسع بكثير للموضوع، والقدرة على شرح الحلول غير المتقنة التي يقدمها الطلاب وفهم منطقها، ومعرفة طرق التفكير المختلفة لدى المتعلمين وحاجاتهم الذهنية، وهو ما يعرف بالمعرفة التربوية بالمحتوى، فإذا امتلك المعلم هذه القدرات تغير تصور التعلم ذاته من نقل للمعلومات إلى بناء مشترك للمعنى
وتستعرض هذه المقالة أمثلة حية لتدريس الفيزياء بهذا النهج البنائي التفاعلي في بيئات شديدة التنوع، من فصول مدرسية اعتيادية إلى ورش لأطفال صغار، ومن محاضرات تفاعلية في جامعات الأطفال إلى شروحات عارضة في متاحف العلوم، ومن دروس لطلاب المرحلة الثانوية إلى محاضرات عامة في تعليم الفيزياء في مؤتمرات دولية، وتقوم فكرة المقالة على أن المحتوى الفيزيائي نفسه يمكن أن يبقى متشابهًا عبر هذه البيئات، بينما تتغير المقاربات وطرق التقديم بتغير الجمهور والسياق، فإذا نجح النهج في هذا المدى الواسع من المواقف دل ذلك على مرونته وقوته بوصفه خيارًا تعليميًا عامًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المقالة إلى إظهار كيف يغير إنشاء بيئة تعلم بنائية تصور الطلاب والمعلمين للتعلم، وذلك من خلال عرض أمثلة تطبيقية لتدريس الفيزياء بأساليب مبتكرة وبنائية وتفاعلية في بيئات متعددة، شملت فصولًا مدرسية، وورش عمل لأطفال تتراوح أعمارهم بين الثالثة والرابعة، ومحاضرات تفاعلية في جامعات الأطفال، وشروحات عارضة في متاحف العلوم موجهة لطلاب المرحلة الثانوية، ومحاضرات عامة في تعليم الفيزياء قُدمت في مؤتمرات دولية، وقد اعتمد العرض على توثيق هذه الخبرات وتحليل ما تتطلبه كل بيئة من مقاربات خاصة، مع إبراز القاسم المشترك بينها في جعل المتعلم فاعلًا في بناء فهمه بدل تلقيه الجاهز
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تتطلب كل بيئة تعليمية محددة مقاربات مختلفة في تقديم الفيزياء، فما يناسب أطفالًا في ورشة لعب لا يناسب طلاب ثانوية في متحف علوم أو جمهورًا متخصصًا في مؤتمر دولي، وإن أمكن أن يبقى المحتوى العلمي ذاته متشابهًا عبر هذه البيئات
2- تؤكد الأمثلة المعروضة أن المقاربات المبتكرة والبنائية والتفاعلية تضمن نتيجة ناجحة في أي موقف تعليمي، متى صُممت بما يلائم جمهورها وسياقها وأتيحت للمتعلمين فرصة البناء والمشاركة الفعلية
3- تبين من تنوع البيئات الممتد من رياض الأطفال إلى المؤتمرات الدولية أن الفيزياء يمكن أن تُقدم بوصفها مادة ممتعة ومثيرة للفضول، لا مادة جافة قائمة على القوانين والمعادلات المحفوظة
4- أظهرت الخبرات الموثقة أن نجاح هذا النمط من التعليم مشروط بقدرات المعلم الجديدة، من اتساع تغطيته للموضوع إلى إصغائه لطرق تفكير المتعلمين وتفسيره حلولهم غير المتقنة بدل رفضها المباشر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الأمثلة دروسًا مباشرة لبرامج إعداد المعلمين وتدريبهم، إذ ينبغي أن تتجاوز هذه البرامج إتقان المحتوى إلى بناء المعرفة التربوية بالمحتوى، وتدريب المعلم على قراءة أفكار طلابه والتعامل مع حلولهم الخاطئة أو الناقصة بوصفها نوافذ على تفكيرهم لا أخطاء تُمحى، كما تدعو مؤسسات التعليم غير النظامي كمتاحف العلوم وجامعات الأطفال إلى توظيف النهج البنائي التفاعلي في تصميم عروضها، وتشجع معلمي الفيزياء على تجريب صيغ تفاعلية في فصولهم مهما اختلفت أعمار طلابهم، فالمتعة والفضول اللذان يولدهما هذا النهج وقود للتعلم العميق، وقد أثبتت الأمثلة أن تغيير تصور التعلم ممكن حين تتغير بيئته من بيئة تلقين إلى بيئة بناء
وخلاصة القول إن البيئة البنائية تغير تصور التعلم لدى المعلم والمتعلم معًا، فتجعل الفيزياء مادة ممتعة تُبنى بالتجريب والتفاعل في بيئات تمتد من ورش الأطفال إلى المؤتمرات الدولية، وإن اختلاف المقاربات بتغير البيئة مع بقاء المحتوى متشابهًا دليل على أن سر النجاح التعليمي يكمن في كيفية التقديم لا في كم المعلومات المقدمة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/2/195
DOI: 10.3390/educsci13020195
