يحتل التعاون المهني بين العاملين في المدرسة والخدمات النفسية التربوية موقعًا محوريًا في دعم الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، إذ لا تستطيع أي جهة منفردة أن تحيط باحتياجات هؤلاء الطلاب المعقدة والمتداخلة، فتتكامل خبرة المعلم اليومية داخل الصف مع رؤية القيادة المدرسية التنظيمية ومع التقييم النفسي المتخصص الذي يقدمه الأخصائيون النفسيون، غير أن هذا التكامل المنشود كثيرًا ما يصطدم بواقع العمل في جزر منعزلة، حيث تعمل كل جهة ضمن حدودها الضيقة وبمعزل عن الأخرى، وهو ما يضعف جودة الدعم المقدم للطلاب ويشتت الجهود المبذولة في خدمتهم
وفي السياق الأيرلندي تبرز خصوصية إضافية، إذ تضطلع الخدمة النفسية التربوية الوطنية بدور في تيسير التعاون مع المدارس، بينما يمارس منسقو الاحتياجات التعليمية الخاصة أدوارًا قيادية متنامية داخل مدارسهم، ومع ذلك يسود غموض حول طبيعة هذا الدور التيسيري، ويتفاقم هذا الغموض بغياب سياسات واضحة تحدد مهام منسقي الاحتياجات التعليمية الخاصة، وبالتوترات القائمة بين منطق التربية الخاصة ومنطق التعليم الشامل، الأمر الذي يجعل تجارب التعاون اليومية بين هذه الأطراف مجالًا خصبًا للدراسة والفهم
وتزداد أهمية فهم هذه التجارب في ضوء التحولات العالمية نحو التعليم الشامل الذي يقتضي إعادة توزيع الأدوار بين المدرسة والخدمات المساندة، فحين تتحول العلاقة بين الطرفين من الإحالة المتقطعة إلى الشراكة المستمرة تنشأ مراكز نشطة للمعرفة المهنية المتبادلة، يستفيد فيها الطلاب من قرارات أكثر اتساقًا ويستفيد فيها المعلمون من مشورة متخصصة قريبة من ممارساتهم اليومية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العوائق والميسرات التي تشكل تجربة التعاون بين أخصائيي الخدمة النفسية التربوية الوطنية ومنسقي الاحتياجات التعليمية الخاصة وفرق القيادة العليا في المدارس ما بعد الابتدائية الأيرلندية التي تستقبل الطلاب ممن تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والثامنة عشرة، واعتمدت تصميمًا مختلط الأساليب من النوع التفسيري التتابعي، مؤطرًا بنظرية النظم الديناميكية التي تنظر إلى المدرسة بوصفها نظامًا معقدًا تتفاعل فيه العناصر البشرية والتنظيمية باستمرار، واشتملت المرحلة الأولى على مسح إلكتروني شارك فيه 278 مشاركًا من الفئات الثلاث، حدد العوائق والميسرات الرئيسة للتعاون وأسس لبناء المرحلة الثانية
ويمثل هذا المقال المرحلة الثانية من الدراسة، إذ أُجريت مقابلات شبه مقننة مع تسعة مشاركين، وحُللت بياناتها بأسلوب التحليل الظاهراتي التفسيري متعدد المنظورات، بما أتاح استكشافًا معمقًا لتجارب التعاون كما يعيشها الأخصائيون النفسيون والمنسقون وقادة المدارس، ومقارنة هذه التجارب عبر المنظورات المختلفة للأطراف المعنية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- وصف المشاركون تجربة تحول تدريجي من العمل في جزر منعزلة مغلقة إلى مراكز تعاونية نشطة تجمع المدرسة والخدمة النفسية في فضاء مهني مشترك
2- أسهمت عوامل على مستوى النظام وعوامل بين شخصية في البناء المقصود لفضاءات تعاونية متطورة وديناميكية بين المدارس ما بعد الابتدائية والخدمة النفسية التربوية الوطنية
3- برزت فجوات في السياسات تتعلق بالمشورة والتعاون والتربية الخاصة والدمج، ما تزال الممارسة اليومية تتحرك داخلها دون أطر حاكمة واضحة
4- أظهرت النتائج تنوع الطرائق التي تجري بها الممارسة الفعلية داخل هذه الفجوات السياسية، إذ يبتكر الممارسون حلولًا محلية متفاوتة من مدرسة إلى أخرى
5- أشارت النتائج إلى طرائق يمكن بها لأخصائيي الخدمة النفسية التعاون مع المنسقين وفرق القيادة لبناء مراكز معرفة نشطة وفعالة تدعم الطلاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية لصناع السياسات والممارسين، إذ تدعو إلى سد الفجوات السياسية بتحديد أدوار منسقي الاحتياجات التعليمية الخاصة وأطر المشورة والتعاون تحديدًا صريحًا، وإلى الاستثمار في العلاقات المهنية بين المدارس والخدمات النفسية بوصفها بنية تحتية للتعليم الشامل، كما تبين أن بناء فضاءات تعاونية ديناميكية ليس حدثًا عارضًا بل عملية مقصودة تحتاج إلى وقت وقيادة واعية وثقة متبادلة بين الأطراف
وخلاصة القول إن التعاون الفعال بين المدرسة والخدمات النفسية التربوية يتحقق حين تتحول العلاقات المهنية من التنسيق الشكلي إلى شراكة معرفية نشطة، وتقدم هذه الدراسة فهمًا أوليًا لكيفية حدوث هذا التحول داخل فجوات السياسات القائمة، بما يفتح الباب أمام تطوير أطر أوضح للتعاون تدعم الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/3/286
DOI: 10.3390/educsci13030286
