تتبنى صناعة البناء تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بوتيرة متسارعة، وهو ما يخلق فرصًا جديدة لمعالجة التحديات البيئية والتشغيلية المزمنة التي تواجه هذا القطاع الحيوي، من ارتفاع الانبعاثات الملوثة إلى تدني كفاءة استخدام المواد وتكرار حوادث العمل، وتأتي تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتعلم العميق في مقدمة الأدوات المرشحة لإحداث تحول حقيقي في ممارسات الصناعة وأساليب إدارتها
وركزت هذه المراجعة على الكيفية التي توظف بها هذه التقنيات في معالجة تلك التحديات، فاستكشفت دور الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بتلوث الهواء، وتحسين جودة المواد، ومراقبة صحة العمال وسلامتهم، وتطوير الأنظمة السيبرانية الفيزيائية في مواقع البناء، بما يقدم صورة شاملة عن نضج هذه التطبيقات وحدودها الراهنة واتجاهات تطورها المقبلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المراجعة إلى تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي المستخدمة في صناعة البناء، ومنها الشبكات العصبية الاصطناعية وآلات المتجهات الداعمة، وتقنيات التحسين مثل خوارزميتي تحسين الحوت ولهب العثة، من حيث قدرتها على التنبؤ بمستويات ملوثات الهواء، وتحسين جودة الخرسانة، ومراقبة سلامة العمال في الزمن الحقيقي أثناء العمل
كما راجعت المراجعة الأوراق البحثية المعنية بتطبيق الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بمقاومة الانضغاط لمواد مثل المونة الأسمنتية والرماد المتطاير والتربة الطينية المثبتة، وقيمت أداء النماذج بمقاييس معيارية تشمل معامل التحديد والجذر التربيعي لمتوسط مربعات الخطأ ومتوسط الخطأ المطلق، واستعرضت تطورات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير وشبكات بتري في الأنظمة السيبرانية الفيزيائية للبناء
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت المراجعة إلى مجموعة من النتائج التي تبين اتساع توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة البناء وتنوع مجالاته، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
1- أظهر الذكاء الاصطناعي وعدًا واضحًا في التنبؤ بانبعاثات ملوثات الهواء وخفضها، ومنها الجسيمات الدقيقة بقطر 2.5 و10 ميكرومترات وثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت والأوزون
2- حسنت النماذج المدروسة جودة مواد البناء، وأظهرت قدرة على التنبؤ بمقاومة الانضغاط للمواد المختلفة بدقة تدعم قرارات الخلط والتصميم والاعتماد
3- أسهم الذكاء الاصطناعي في ضمان سلامة العمال عبر مراقبة مؤشرات صحية مثل أوضاع الوقوف وتخطيط القلب الكهربائي والاستجابة الجلدية الغلفانية، بما يتيح التنبيه المبكر إلى المخاطر
4- تحقق تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير وشبكات بتري تقدمًا ملموسًا في الأنظمة السيبرانية الفيزيائية لصناعة البناء، بما يربط العالمين الرقمي والمادي في مواقع العمل
5- دلت مقاييس أداء النماذج على ملاءمتها للعمليات الإنشائية في الزمن الحقيقي، غير أن فجوات باقية في التكامل الأوسع للذكاء الاصطناعي عبر بيئات البناء المتنوعة وفي التحقق من النماذج في التطبيقات الواقعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على إحداث تحول جوهري في صناعة البناء عبر تعزيز الممارسات المستدامة ورفع الكفاءة التشغيلية ومعالجة مخاوف السلامة، بما ينعكس على كلفة المشروعات وجودتها وأثرها البيئي، ويقدم لأصحاب المصلحة في الصناعة خريطة طريق لتبني هذه التقنيات بصورة مدروسة ومتدرجة
وفي المقابل تنبه المراجعة إلى أن تعميم هذه المكاسب يتطلب سد الفجوات البحثية القائمة، وفي مقدمتها توسيع تكامل الذكاء الاصطناعي عبر بيئات بناء متنوعة الظروف، وإخضاع النماذج لمزيد من التحقق في مواقع حقيقية وببيانات تشغيلية فعلية، حتى تنتقل الحلول من النجاح المختبري إلى الاعتماد الصناعي الواسع
وتكتسب هذه المراجعة أهميتها من توقيتها في مرحلة تتحول فيها صناعة البناء عالميًا نحو الرقمنة والاستدامة تحت ضغوط تنظيمية واقتصادية متزايدة، إذ تحتاج الشركات والمقاولون وجهات الإشراف إلى أدلة مجمعة حول ما نضج من حلول الذكاء الاصطناعي وما يزال في طور التجريب، حتى توجه استثماراتها التقنية إلى الأدوات الأعلى عائدًا والأقل مخاطرة في التطبيق الميداني الفعلي
وخلاصة القول إن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتعلم العميق تملك إمكانات حقيقية لإحداث ثورة في صناعة البناء عبر ممارسات أكثر استدامة وكفاءة تشغيلية أعلى وسلامة أفضل للعمال، وأن تحقيق هذه الإمكانات على نطاق واسع رهن بسد فجوات التكامل والتحقق الميداني التي حددتها هذه المراجعة لتكون خريطة طريق للبحث والتطبيق المقبلين
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2024.1474932/full
DOI: 10.3389/frai.2024.1474932
