أصبحت السياحة المفرطة ظاهرة تضغط بصورة معقدة على البيئة والتماسك الاجتماعي والهوية الثقافية للمدن، على الرغم مما تحققه السياحة من إسهام في النمو الاقتصادي، وقد تعددت استجابات المدن لهذه الظاهرة بين فرض الرسوم والقيود التنظيمية وحملات التوعية، غير أن التخطيط التشاركي الذي يشرك أصحاب المصلحة في صنع القرار يبرز أداة رئيسة واعدة لمعالجة تحدياتها، وتقدم هذه الدراسة تقييمًا مقارنًا لاستجابات الحوكمة الحضرية للسياحة المفرطة في ست وجهات أوروبية عالية الكثافة السياحية، مركزة على أشكال العمليات التشاركية ودورها في استدامة السياسات السياحية وفعاليتها
وتتفجر أزمات السياحة المفرطة عادة في مدن تاريخية محدودة المساحة عالية الجاذبية كالبندقية وبرشلونة وأمستردام، حيث يتركز الزوار في أحياء ضيقة ترتفع فيها الإيجارات قصيرة الأجل وتتحول المحال اليومية إلى متاجر تذكارية ويشعر الأهالي بفقدان مدينتهم تدريجيًا، فتنشأ حركات احتجاج وتوترات اجتماعية تدفع السلطات إلى ردود فعل متسرعة أحيانًا لا تعالج أسباب المشكلة، ومن هنا تنبع قيمة المقارنة المنهجية بين التجارب الحضرية المختلفة لاستخلاص ما نجح منها وما أخفق وأسباب ذلك، بدل أن تبدأ كل مدينة من الصفر في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف التخطيط التشاركي أداة لمعالجة تحديات السياحة المفرطة وتقييم استجابات الحوكمة الحضرية مقارنة، واعتمدت على تحليل مقارن لست وجهات حضرية أوروبية ذات كثافة سياحية عالية، وعرضت أشكالًا مختلفة من العمليات التشاركية بوصفها استراتيجيات للإدارة المستدامة للسياحة، وفحصت ما إذا كانت الاستراتيجيات القائمة تعالج الشروط البنيوية المولدة للسياحة المفرطة أم تقتصر على إدارة أعراضها، وكيف يؤثر مستوى انخراط المجتمع المحلي في استدامة هذه السياسات وقبولها، كما ناقشت حدود مفهوم السياحة المفرطة ذاته وشيوع استخدامه في الخطاب العام والأكاديمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1- يعزز الانخراط النشط لأصحاب المصلحة من سلطات محلية واتحادات مهنية ومنظمات مجتمع مدني وسكان مشروعية السياسات السياحية وقبولها الاجتماعي، ويحسن فعاليتها الإجمالية في مواجهة السياحة المفرطة
2- تتباين الاستراتيجيات بين المدن المدروسة في مدى استهدافها الأسباب البنيوية العميقة للظاهرة مقابل الاكتفاء بإدارة أعراضها الظاهرة، وتميل السياسات الأكثر استدامة إلى معالجة الجذور لا المظاهر
3- يؤثر مستوى انخراط المجتمع المحلي تأثيرًا واضحًا في استدامة السياسات، فكلما اتسعت المشاركة الحقيقية في التخطيط والتنفيذ ازدادت فرص صمود السياسات واستمرارها عبر الدورات السياسية
4- يُستخدم مفهوم السياحة المفرطة على الرغم من فائدته بصورة مفرطة أحيانًا في الخطابين العام والأكاديمي، مما يجعل التحليل المستند إلى الأدلة أكثر إلحاحًا لتفادي التعميمات المضللة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى وجود حاجة ملحة إلى نموذج حوكمة سياحية أكثر شمولًا وتوجهًا استراتيجيًا، يتجاوز إدارة الأعراض إلى استهداف الأسباب الأعمق للسياحة المفرطة مثل أنماط التسويق غير المنضبط واقتصاديات الإيجار قصير الأجل وتركز الأنشطة في مراكز المدن التاريخية، ويعني ذلك عمليًا إشراك الأهالي وأصحاب المصلحة منذ مراحل التخطيط المبكرة لا عند إدارة الأزمات فحسب، وبناء آليات تشاور مؤسسية دائمة، وربط السياسات السياحية بأهداف التنمية الحضرية المستدامة الأوسع، حتى تتحول السياحة من عبء يهدد الهوية والتماسك إلى مورد متوازن يحترم طاقة المدن الاستيعابية ورضا أهاليها
ويتصل نجاح العمليات التشاركية بجودة تصميمها لا بمجرد إعلانها، فالمشاركة الصورية التي تستشير الأهالي بعد حسم القرارات تولد الإحباط وتعمق انعدام الثقة، بينما تبني المشاركة الحقيقية المبكرة التي تمنح المجتمعات صوتًا مؤثرًا في تحديد الأولويات واختيار الأدوات شرعية متينة للسياسات وقدرة على الصمود أمام تغير الحكومات المحلية، وتستدعي هذه العمليات استثمارًا في بناء قدرات جميع الأطراف وتمثيلًا متوازنًا يمنع هيمنة المصالح التجارية الأقوى صوتًا، حتى تعكس النتائج مصلحة المدينة بوصفها مكان عيش قبل أن تكون وجهة زيارة
وخلاصة القول إن المشاركة ليست ترفًا إجرائيًا في حوكمة السياحة بل شرط لنجاح سياسات مواجهة السياحة المفرطة واستدامتها، وتقدم المقارنة بين ست مدن أوروبية أدلة عملية على أن إشراك المجتمع المحلي وأصحاب المصلحة يمنح السياسات مشروعيتها وفعاليتها، وأن معالجة الجذور البنيوية للظاهرة أولى من الاكتفاء بتسكين أعراضها








