لا تتهدد الصحة العامة بالأمراض والجوائح والأوبئة وحدها، بل تواجه أيضًا تحديات عميقة في تواصل المعلومات الصحية وإيصالها إلى الجمهور وصانعي القرار بصورة دقيقة ومفهومة وفي الوقت المناسب، وقد أظهرت جائحة كوفيد-19 الأخيرة هذا التحدي بجلاء حين احتاجت المجتمعات إلى متابعة يومية لمؤشرات العدوى والانتشار والتوقعات
وتعد لوحات المعلومات الرقمية إحدى أبرز وسائل إيصال البيانات العلمية كالنتائج الوبائية والتنبؤات بانتشار الأمراض، إذ تعرض المعلومات بصريًا في صورة تفاعلية محدثة باستمرار، ومع تنامي أهميتها في التواصل بشأن المخاطر والأزمات الصحية غدت دراسة حالتها البحثية ضرورة لفهم نقاط قوتها وفجواتها وسبل تطويرها
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن جودة التواصل في الأزمات الصحية تؤثر مباشرة في ثقة الجمهور بالمؤسسات وفي التزام الأفراد بالإجراءات الوقائية، فلوحة المعلومات الجيدة لا تعرض الأرقام فحسب، بل تساعد الناس على فهم المخاطر المحيطة بهم واتخاذ قرارات واعية تحمي صحتهم وصحة مجتمعاتهم
وتتنامى أهمية هذه اللوحات في زمن البيانات الضخمة، إذ تجمع مؤشرات من مصادر متعددة وتعرضها في واجهة واحدة محدثة لحظيًا، فتتيح لصانعي القرار والجمهور صورة مركزة عن الوضع الصحي الراهن واتجاهاته المتوقعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص حالة البحث العلمي في لوحات المعلومات الرقمية في سياق مخاطر الصحة العامة وأمراضها عبر مراجعة منهجية، رصدت القضايا الصحية التي تعالجها هذه اللوحات ومصادر بياناتها ووظائفها وأساليب العرض البصري للمعلومات فيها، ومدى حضور احتياجات المستخدمين في تطويرها وتقييمها
بحثت المراجعة في تسع قواعد بيانات إلكترونية عن مقالات المجلات المحكمة وأوراق المؤتمرات، فأدرجت 65 مقالة خضعت للفرز والتقويم من ثلاثة مراجعين مستقلين، وميزت منهجيًا بين الدراسات الوصفية ودراسات المستخدمين، وقوّمت جودة 18 دراسة من دراسات المستخدمين باستخدام أداة تقويم المناهج المختلطة، وسُجل بروتوكول المراجعة في سجل بروسبيرو الدولي، وذلك باتباع خطوات موثقة قابلة للتكرار في البحث والفرز والاستخراج والتحليل
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت المراجعة عن صورة شاملة لحالة البحث في هذا المجال يمكن عرض أبرز ملامحها في النقاط الآتية
1- تنوعت القضايا الصحية التي تعالجها لوحات المعلومات وتباينت مصادر بياناتها ووظائفها وأساليب عرضها البصري، بما يعكس اتساع استخدامها في رصد الأمراض والتواصل بشأن المخاطر الصحية المختلفة
2- قلّت الدراسات التي لا تكتفي بوصف بناء لوحة معلومات بعينها، بل تقوّم محتواها في ضوء نماذج التواصل بشأن المخاطر أو مفاهيم كمفهوم إدراك المخاطر والثقافة الصحية
3- اقتصر كثير من الدراسات على تقويم وظيفي بحت للوحة المعلومات يجريه فريق التطوير ذاته، بينما قوّمت دراسات أقل قابلية الاستخدام ومؤشراتها من منظور المستخدمين المحتملين أنفسهم
4- أظهرت المراجعة أن احتياجات المستخدمين المعلوماتية المحددة لا تحظى إلا بحضور محدود في عمليات تطوير لوحات المعلومات وتقويمها، رغم مركزيتها في نجاح التواصل بشأن المخاطر
5- خلصت المراجعة إلى أن دمج احتياجات المعلومات المتعلقة بالمخاطر لدى المستخدمين دمجًا مؤسسًا على النظرية من شأنه أن يرفع تعقيد البحث التطبيقي في أدوات تدخلات الصحة العامة كاللوحات الرقمية وجودته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمطوري لوحات المعلومات ومسؤولي التواصل الصحي، إذ تدعو إلى تجاوز التقويم الوظيفي الضيق نحو تقويم شامل يستند إلى نماذج التواصل بشأن المخاطر ويشرك المستخدمين الفعليين في التصميم والاختبار، بحيث تتحول اللوحات من واجهات لعرض الأرقام إلى أدوات فهم واتخاذ قرار تلبي حاجات الجمهور المعرفية المتنوعة
كما تفتح المراجعة الباب أمام دراسات مستقبلية تبني أطرًا نظرية وتطبيقية لتصميم لوحات معلومات تراعي الفروق في الثقافة الصحية وإدراك المخاطر بين فئات الجمهور، وتقيس أثرها الفعلي في السلوكيات الصحية أثناء الأزمات والجوائح المقبلة
وخلاصة القول إن لوحات المعلومات الرقمية صارت بنية أساسية في التواصل الصحي المعاصر، غير أن البحث فيها ما يزال منحازًا إلى الوصف والتقويم الوظيفي، ولن تبلغ هذه الأدوات كامل فاعليتها ما لم تُبنَ على فهم عميق لاحتياجات مستخدميها وتُقوّم بمعايير علمية رصينة
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2023.999958/full
DOI: 10.3389/fpubh.2023.999958
