تواجه النظم الصحية في أفريقيا جنوب الصحراء تحديات تمويلية حرجة، إذ يتزامن تراجع المعونات الأجنبية مع تصاعد أعباء الديون وتزايد أعباء الأمراض، فتجد الحكومات نفسها مطالبة بخدمات أوسع من موارد أضيق، وقد أثبتت آليات التمويل التقليدية عدم كفايتها لسد هذه الفجوة، ما فرض استكشاف استراتيجيات مبتكرة لتعبئة الموارد المحلية تضمن استدامة التمويل الصحي من داخل الاقتصادات الوطنية بدل الاعتماد على تدفقات خارجية متقلبة لا يمكن التنبؤ بها ولا الاستناد إليها في تخطيط طويل الأجل
ويبرز من بين هذه الاستراتيجيات توظيف نماذج ضريبية مبتكرة تتجاوز وظيفتها المالية إلى تحقيق منافع صحية وبيئية مصاحبة، فالضريبة على منتجات ضارة تمول الصحة وتحد من استهلاك تلك المنتجات في آن واحد، والضريبة الرقمية تلحق بركب اقتصاد متنامٍ فرت منه الإيرادات طويلًا، غير أن نقل هذه النماذج من التصور إلى التطبيق في بيئات تتسم بضعف القدرات الإدارية واتساع القطاع غير الرسمي يظل محفوفًا بتحديات جوهرية تستحق الفحص المتأني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإسهام في أدبيات اقتصاديات الصحة بفحص استخدام النماذج الضريبية المبتكرة استراتيجيات لتعبئة الموارد المحلية من أجل تمويل صحي مستدام في أفريقيا جنوب الصحراء، مستندة إلى إطار الحيز المالي للصحة، واعتمدت مراجعة سردية توليفية للأدبيات الأكاديمية المحكمة ووثائق السياسات والأدبيات الرمادية المنشورة بين عامي 2010 و2025، بما يتيح رسم خريطة شاملة للنماذج الواعدة وشروط نجاحها ومعوقات تنفيذها في السياقات الأفريقية المتنوعة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- حددت المراجعة أربعة نماذج مبتكرة واعدة هي الضرائب الصحية على التبغ والكحول والمشروبات المحلاة بالسكر، والرسوم البيئية على التلوث والكربون والبلاستيك، والضرائب الرقمية وتشمل ضرائب الخدمات الرقمية وضرائب الأموال عبر الهاتف المحمول وضريبة القيمة المضافة على الخدمات الرقمية، وضرائب استخراج الموارد الطبيعية
2- أظهرت الأدلة إمكانات كبيرة لتوليد الإيرادات من هذه النماذج مع تحقيق منافع مصاحبة للصحة العامة والبيئة، فهي لا تمول المنظومة الصحية فحسب بل تثبط سلوكيات ضارة وتنقي البيئة في الوقت ذاته
3- ما تزال تحديات تنفيذية حرجة قائمة تشمل ضعف القدرة الإدارية، وتدني جودة الحوكمة، ومخاوف تتعلق بالعدالة، واتساع القطاع غير الرسمي والتنوع الاقتصادي الكبير بين بلدان المنطقة، وهي تحديات قد تفرغ النماذج من جدواها إذا لم تعالج تصميمًا وتنفيذًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بتقوية إدارة الضرائب عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وبناء القدرات، وبتصميم ضريبي تقدمي مشفوع بإعفاءات موجهة تحمي الفئات الأضعف، وبتعزيز الشفافية وربط الإيرادات الضريبية بتقديم الخدمات الصحية ربطًا يراه المواطن بعينه فيبني الثقة في النظام الضريبي، وبملاءمة الإصلاحات مع سياقات كل بلد مع الاستفادة من الخبرات الإقليمية المتراكمة، فالنجاح لا يتحقق باستيراد نموذج جاهز بل بتكييفه مع القدرات المؤسسية والتركيبة الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة
وتنبغي قراءة هذه النماذج في سياق أوسع من تصاعد الدعوات العالمية إلى الاعتماد على الذات في تمويل الخدمات الأساسية، فالقطاع الصحي الذي يمول من مصدر واحد متقلب يظل رهينة لأزمات لا يملك قرارها، بينما تنويع مصادر التمويل المحلية يمنحه صلابة أمام الصدمات، غير أن التنويع وحده لا يكفي ما لم يقترن بكفاءة تحصيل وعدالة توزيع وشفافية إنفاق، وهي الشروط التي تميز بين تجربة تتحول فيها الضريبة إلى خدمة ملموسة وتجربة أخرى تذوب فيها الإيرادات دون أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية أو في جودة الرعاية التي يتلقاها هو وأسرته وذووه
وخلاصة القول إن مستقبل تمويل الصحة في أفريقيا جنوب الصحراء يمر عبر جيوب اقتصاداتها نفسها لا عبر المعونات وحدها، وتقدم النماذج الضريبية الأربعة التي حددتها الدراسة خريطة طريق عملية لهذا الانتقال، شريطة أن تصاحبها إصلاحات إدارية وحوكمية تحقق العدالة وتحسن التحصيل، وبذلك تتحول الضريبة من عبء ينفر منه المواطن إلى عقد اجتماعي ظاهر الثمرة في عيادة ممولة ومستشفى مجهز وخدمة صحية مستدامة
