تتخذ كثير من القرارات الإنسانية طابعًا زمنيًا ممتدًا، إذ يوازن الفرد فيها بين منفعة حاضرة ملموسة وعائد مؤجل لا يتحقق إلا بعد مرور وقت قد يطول أو يقصر، ويظهر هذا التوازن بصورة خاصة في السلوك الإحساني حين يقرر الفرد أن يتبرع بجزء من ماله لمساعدة الآخرين في زمن لاحق بدل أن يحتفظ به لنفسه في الحاضر، فتتشابك في قراره الدوافع الأخلاقية مع الإدراك النفسي للزمن ومع سماته الشخصية المستقرة
ويختلف الأفراد اختلافًا بينًا في الطريقة التي ينظرون بها إلى الزمن ويوزعون بها انتباههم بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويطلق على هذا الاختلاف مصطلح المنظور الزمني، وهو سمة شخصية مستقرة نسبيًا توجه إدراك الفرد للمواقف المحيطة به وتؤثر في اختياراته اليومية وقراراته بعيدة المدى، وقد تناولت دراسات سابقة المنظور الزمني في علاقته بالقرارات الفردية الخاصة، غير أن علاقته بالتفضيلات الاجتماعية والإحسانية المؤجلة لم تنل حظًا كافيًا من البحث، وهو ما سعت الدراسة الحالية إلى معالجته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تفضيلات الأفراد ذوي المنظور الزمني الحاضر الاندفاعي والأفراد ذوي المنظور الزمني المستقبلي في الاختيارات الإحسانية بين الأزمنة، والكشف عن الآليات المعرفية الكامنة وراء الإيثار المؤجل انطلاقًا من سمات الشخصية، وقد استخدمت الدراسة النسخة الصينية من مقياس زيمباردو للمنظور الزمني أداة لقياس أبعاد المنظور الزمني لدى المشاركين وتصنيفهم بحسب غلبة المنظور الحاضر الاندفاعي أو المنظور المستقبلي، ووظفت كذلك نموذجًا تجريبيًا مبتكرًا للخصم الإحساني بين الأزمنة يقيس مقدار المال الذي يبدي الفرد استعداده للتنازل عنه لصالح الآخرين كلما تغير التأخير الزمني لوصول المساعدة إليهم
ويعتمد هذا النموذج التجريبي على تقديم مواقف افتراضية متدرجة التأخير يختار فيها المشارك بين الاحتفاظ بمبلغ مالي لنفسه في الحاضر أو التنازل عن جزء منه لصالح شخص آخر في زمن مؤجل، وبذلك يتيح حساب نسبة الخصم الزمني التي تعبر عن مقدار تراجع قيمة العطاء في إدراك الفرد كلما ابتعد موعد تحققه، وهي نسبة تسمح بالمقارنة الدقيقة بين المجموعات المختلفة في المنظور الزمني
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن سلوكيات التبرع لدى المجموعتين كلتيهما تناقصت كلما ازداد التأخير الزمني، بما يتفق مع النموذج الزائدي الذي يصف كيفية تراجع قيمة المكافآت والعوائد المؤجلة في إدراك متخذ القرار
2- تبين أن الأفراد ذوي المنظور الزمني الحاضر الاندفاعي أظهروا نسب خصم أعلى بدلالة إحصائية من الأفراد ذوي المنظور الزمني المستقبلي، بما يعني أنهم كانوا أقل استعدادًا لتأجيل العطاء وأكثر ميلًا إلى المنفعة الحاضرة
3- ارتبطت درجات الأفراد ذوي المنظور المستقبلي على بُعد المستقبل في مقياس زيمباردو للمنظور الزمني ارتباطًا إيجابيًا بمقدار المال الذي أبدوا استعدادهم للتنازل عنه لصالح الآخرين، فكلما قوي التوجه نحو المستقبل ازداد الاستعداد للإيثار المؤجل
4- دلت النتائج في مجملها على أن المنظور الزمني بوصفه سمة شخصية مستقرة يمكن أن ينبئ بالتفضيلات الإحسانية بين الأزمنة لدى الأفراد، وأن الفروق الفردية في إدراك الزمن تنعكس بصورة مباشرة على قرارات العطاء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه النتائج في إثراء نظرية الاختيارات بين الأزمنة وتوسيع نطاق نموذج الإدراك الزمني ليشمل مجال التفضيلات الاجتماعية بعد أن كان تطبيقه مقتصرًا في الغالب على القرارات الفردية، كما تحمل دلالات عملية للمؤسسات الخيرية والجهات العاملة في جمع التبرعات، إذ يمكنها مراعاة الفروق الفردية في المنظور الزمني عند تصميم حملاتها وصياغة رسائلها، فتقدم لذوي التوجه الحاضر مبررات آنية للعطاء وتبرز لذوي التوجه المستقبلي الآثار بعيدة المدى لمساهماتهم، وتفيد كذلك في بناء برامج تربوية تنمي التوجه نحو المستقبل لدى الناشئة بوصفه مدخلًا لتعزيز السلوك الإحساني
وخلاصة القول إن الطريقة التي ينظر بها الفرد إلى الزمن ليست خلفية نفسية محايدة، بل عامل فاعل يشكل قراراته الإحسانية المؤجلة ويحدد مدى استعداده للتضحية بمنفعة حاضرة في سبيل نفع يتحقق للآخرين بعد حين، وإن فهم هذا العامل يفتح أمام الباحثين والممارسين آفاقًا أوسع لتفسير تفاوت الناس في العطاء والعمل على تعزيزه
