يُعد السلوك العدواني من السلوكيات السلبية واسعة الانتشار وعالية الكلفة في الحياة اليومية، وقد أظهرت دراسات سابقة أن الأفراد المستبعدين اجتماعيًا يميلون إلى إظهار سلوكيات عدوانية أكثر من غيرهم، غير أنه لم يكن واضحًا ما إذا كان نمط بناء الذات لدى الأفراد المنتمين إلى الخلفية الثقافية ذاتها يؤثر في الفروق في السلوك العدواني بعد التعرض للاستبعاد، فبعض الأفراد يبنون ذواتهم بصورة مستقلة تركز على الذات الفردية واستقلالها، وبعضهم يبنونها بصورة مترابطة تؤكد الانتماء والعلاقات والانسجام مع الجماعة، وتسعى هذه الدراسة إلى فحص هذا السؤال عبر تجربتين مخبريتين، بما يساعد على فهم الآثار السلبية للاستبعاد الاجتماعي وكيفية تعامل الأفراد مختلفي أنماط بناء الذات مع تجارب الرفض والنبذ
ويحظى موضوع الاستبعاد الاجتماعي باهتمام متزايد في علم النفس الاجتماعي، إذ يمثل الرفض والنبذ خبرة مؤلمة تهدد حاجات إنسانية أساسية كالانتماء وتقدير الذات والشعور بالسيطرة والمعنى، وقد وثقت بحوث كثيرة استجابات متنوعة لهذه الخبرة تتراوح بين الانسحاب والحزن والسعي إلى استعادة القبول الاجتماعي والعدوانية المضادة، غير أن الفروق الفردية في هذه الاستجابات ما تزال موضع تساؤل بحثي، ولا سيما دور بناء الذات الذي يتشكل عبر الثقافة والتنشئة الاجتماعية ويوجه كيفية تفسير الفرد لذاته وعلاقته بالآخرين، وهو ما يجعل فحصه داخل الخلفية الثقافية الواحدة تصميمًا بحثيًا دقيقًا يعزل أثره عن أثر اختلاف الثقافات بين المجتمعات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الفروق في السلوك العدواني بين الأفراد ذوي أنماط بناء الذات المختلفة في الخلفية الثقافية ذاتها بعد الاستبعاد الاجتماعي، وشارك في التجربة الأولى 128 مشاركًا فعليًا صُنفت أنماط بناء ذواتهم بمقياس بناء الذات، واستُخدمت لعبة الكرة الإلكترونية لإحداث تجربة الاستبعاد الاجتماعي مخبريًا، وقيست العدوانية العلائقية لديهم بنموذج طلب مساعدة المختبر، أما التجربة الثانية فشارك فيها 141 مشاركًا فعليًا، واستُخدمت الطريقة ذاتها في تصنيف أنماط بناء الذات وإحداث تجربة الاستبعاد، بينما قيست العدوانية الجسدية بنموذج الصلصة الحارة، بما أتاح للباحثين مقارنة النتائج عبر صورتين مختلفتين للسلوك العدواني، العلائقية غير المباشرة والجسدية المباشرة، في ظروف مخبرية مضبوطة
ثانيًا: أبرز النتائج
1 أظهرت نتائج التجربة الأولى أن ذوي بناء الذات المستقل أبدوا عدوانية علائقية أكبر في مجموعة الاستبعاد مقارنة بذوي بناء الذات المترابط المنتمين إلى الخلفية الثقافية ذاتها
2 بينت نتائج التجربة الثانية أن ذوي بناء الذات المستقل أبدوا عدوانية جسدية أكبر في مجموعة الاستبعاد مقارنة بذوي بناء الذات المترابط أيضًا، بما يوازي نتيجة التجربة الأولى
3 يشير تقارب النتيجتين عبر العدوانية العلائقية والجسدية إلى أن نمط بناء الذات يعدِّل استجابة الفرد للاستبعاد الاجتماعي بصورة متسقة عبر أشكال العدوانية المختلفة، وأن المستقلين أكثر حساسية لتجارب الاستبعاد في سلوكهم العدواني
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تساعد هذه النتائج على فهم ما إذا كان الاستبعاد الاجتماعي يؤثر سلبًا في الأفراد ذوي أنماط بناء الذات المختلفة ضمن الخلفية الثقافية الواحدة، وتقدم إضاءات حول كيفية تعامل الأفراد مع تجارب الاستبعاد وسبل دعمهم نفسيًا واجتماعيًا، إذ يمكن للمختصين النفسيين والتربويين مراعاة نمط بناء الذات عند تصميم تدخلات لمعالجة آثار الاستبعاد والحد من العدوانية، وبناء برامج لتعزيز الانتماء والقبول الاجتماعي في المدارس والجامعات وأماكن العمل، كما تفتح الدراسة المجال لبحوث لاحقة تفحص عوامل أخرى وسيطة أو معدِّلة في العلاقة بين الاستبعاد الاجتماعي والعدوانية عبر سياقات ثقافية متنوعة
وتنسجم نتائج الدراسة مع التصور القائل بأن ذوي بناء الذات المستقل يدركون الاستبعاد تهديدًا مباشرًا لذواتهم واستقلاليتهم، فيستجيبون بدفاع عدواني أوضح وأسرع، بينما يميل ذوو بناء الذات المترابط إلى ضبط استجاباتهم حفاظًا على الانسجام الاجتماعي وعلاقاتهم بالجماعة التي ينتمون إليها، ويستدعي هذا الفهم مزيدًا من البحوث حول آليات الوساطة الوجدانية والمعرفية بين الاستبعاد والعدوانية، وحول فاعلية تدخلات تعزز الشعور بالانتماء والقبول في البيئات التعليمية والمهنية المختلفة على المدى الطويل
وخلاصة القول إن الاستبعاد الاجتماعي لا يفضي إلى العدوانية بدرجة واحدة لدى الجميع، فذوو بناء الذات المستقل أكثر إظهارًا للعدوانية العلائقية والجسدية بعد الاستبعاد من ذوي بناء الذات المترابط، وهو ما يؤكد أهمية الفروق الفردية في فهم الاستجابات السلوكية للرفض الاجتماعي ومعالجتها بتدخلات تراعي خصائص الشخصية وبناء الذات
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/13/8/623
DOI: 10.3390/bs13080623
