تفحص هذه الورقة دور الزمنية في التفاوض حول مهام تكيفية غير مخططة شكلت جزءًا من استجابة النظام الصحي لجائحة كوفيد-19 في كولومبيا، فعلى الرغم من وجود بحوث سابقة تناولت الجوانب الزمنية للتأهب للطوارئ، يرى الباحثان أن ثمة فجوة تجريبية قائمة تتعلق بكيفية استجابة منظمات الرعاية الصحية بإلحاح زمني فعلي لمتطلبات الجائحة، ويلقي هذا المنظور الضوء على أن الزمن في أزمنة الأزمات الصحية ليس مجرد خلفية محايدة للأحداث، بل عامل فاعل يشكل القرارات الصحية والعلاقات التنظيمية نفسها
وتستند الدراسة إلى مقابلات واسعة جُمعت خلال الموجة الأولى من الجائحة عام 2020، وتبني من خلال تحليل مهمتين محوريتين مفهوم التحولات الزمنية، الذي يفسر كيف توظف المنظمات الوقت موردًا في التفاوض حول تغيرات خدمية غير مخططة تحت ضغط الطوارئ الصحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية تعامل منظمات الرعاية الصحية مع الإلحاح الزمني أثناء الاستجابة للجائحة، وكيف وظفت عامل الوقت في التفاوض حول المهام التكيفية غير المخططة، وجُمعت مجموعة البيانات الأصلية التي تستند إليها الدراسة من 118 مقابلة أجريت خلال الموجة الأولى من الجائحة في كولومبيا عام 2020، وحللت هذه الورقة مجموعة فرعية من هذه المقابلات، وشمل المقابلون ممثلين عن الحكومات الوطنية والإقليمية ومديري مستشفيات عامة ومديري عيادات خاصة وأطباء وممرضين ومديري مختبرات وأكاديميين، وعرضت الدراسة سرديتين تفصيليتين لمهمتين رئيسيتين هما إعادة تشكيل المختبرات السريرية لتوسيع القدرة على فحص كوفيد-19، وزيادة سعة وحدات العناية المركزة للمرضى المنومين المصابين بكوفيد-19، وحللت كيفية التنقل بين هاتين المهمتين والتفاوض حولهما تحليلًا موضوعيًا، وانصب الاهتمام كذلك على رصد كيفية استحضار الفاعلين لخبراتهم السابقة وإسقاطاتهم المستقبلية في أثناء تفاوضهم حول أولويات الاستجابة للجائحة وتسلسل تنفيذ مهامها
ثانيًا: أبرز النتائج
من خلال التحليل الموضوعي لسرديتي المهمتين توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج المفاهيمية، من أبرزها ما يأتي
1- طورت الدراسة مفهوم التحولات الزمنية، ويعني كيف تستخدم المنظمات الوقت موردًا تستند فيه إلى تجارب مماثلة من الماضي وإلى إسقاطات للمستقبل، وذلك في التفاوض حول تغيرات خدمية غير مخططة فرضتها الجائحة
2- يوظف أصحاب المصلحة الأقوياء إسقاطات الماضي والمستقبل بمهارة للتأثير في تصورات الآخرين أثناء التفاوض حول التحولات الزمنية، وهي نوع من التغيير يختلف عن الأنواع التدريجية والمخططة التي وصفتها أدبيات المنظمات السابقة عن الزمنية
3- بدأ هذا التحول الزمني بتفويض سريع للمهام عبر التدرج التنظيمي من القيادات العليا، لكنه لم يكتمل إلا بأفعال مرتجلة مضغوطة على المستوى التشغيلي الميداني اضطلع بها العاملون في خطوط المواجهة
4- أبرز التحليل أن السرعة المفروضة على الاستجابة لم تكن توزيعًا محايدًا للأعباء بين مستويات المنظمة، إذ تركز ضغط الإنجاز في المستويات التشغيلية الدنيا بينما ظل قرار التفويض والمهل الزمنية بيد المستويات الإدارية العليا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتصل الآثار التي تقترحها الدراسة في مستوى السياسات والممارسات بمعالجة الآثار الاجتماعية والتنظيمية الناشئة عن اتخاذ قادة المنظمات قراراتهم تحت ضغط الوقت في أزمنة الطوارئ، ومنها الانعكاسات على انخراط أصحاب المصلحة في القرارات وعلى رفاه الموظفين العاملين في الخطوط الأمامية، وتفيد النتائج قيادات الأنظمة الصحية بضرورة الانتباه إلى الكلفة الإنسانية والتنظيمية للإلحاح الزمني، فقد تخفي واجهة السرعة في الاستجابة للأزمة أعباء متراكمة على فرق العمل وعلاقات الثقة بين الشركاء، كما تدعو إلى أن يكون توثيق تجارب الأزمات واستحضارها بوعي نقدي يجعل الإسقاطات الزمنية أداة تعلم جماعي لا أداة ضغط يمارسها الأقوياء على غيرهم فحسب
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تضيء بعدًا قلما يُنتبه إليه في إدارة الأزمات الصحية وهو بعد الزمنية، وتدعو إلى أن يُعامل الوقت في التخطيط للطوارئ موردًا يُدار بوعي وتبصر، توازن فيه القيادات بين سرعة الاستجابة التي تنقذ الأرواح وبين استدامة المنظمات ورفاه العاملين فيها، وهو درس يتجاوز تجربة كولومبيا في الجائحة إلى كل نظام صحي قد يواجه جائحة أو طارئًا صحيًا مقبلًا
المصدر الأصلي: https://dx.plos.org/10.1371/journal.pone.0311023
DOI: 10.1371/journal.pone.0311023
