يشهد قطاع السياحة والضيافة في العقود الأخيرة تحولات متسارعة في تركيبة قوته العاملة، إذ باتت فرق العمل تضم أجيالًا متعددة تعمل جنبًا إلى جنب، ولكل جيل منها قيمه وتصوراته وتوقعاته الخاصة تجاه العمل والحياة المهنية، وقد فرض هذا التنوع الجيلي على إدارات الموارد البشرية إعادة النظر في سياسات الاستقطاب والاحتفاظ بالموظفين، فلم تعد الأساليب التقليدية الموحدة قادرة على الاستجابة لاختلاف الدوافع والطموحات بين الأجيال، ولا سيما مع دخول أبناء جيل الألفية والجيل زد إلى سوق العمل بأعداد متزايدة وتصورات مختلفة عن معنى الالتزام والاستقرار الوظيفي
وتنبع أهمية هذه الدراسة من أن قطاع الضيافة يعتمد اعتمادًا كبيرًا على العنصر البشري بوصفه واجهة الخدمة وجوهر تجربة النزيل، ومن ثم فإن أي صعوبة في استقطاب الكفاءات الشابة أو الاحتفاظ بها تنعكس مباشرة على جودة الخدمة وتنافسية المنشآت، كما أن ارتفاع معدلات دوران العمل بين الموظفين الشباب يمثل كلفة تنظيمية ونفسية تستدعي فهمًا عميقًا لخصائص هذه الأجيال وما تبحث عنه في بيئة العمل، وهو ما سعت الدراسة إلى تقديمه من منظور القائمين على إدارة المنشآت الفندقية أنفسهم
وتتعاظم حدة هذه القضية في قطاع يتسم العمل فيه بطبيعة خدمية مكثفة وساعات مرنة ومواسم متقلبة، إذ يصعب على المنشآت أن تعوض نقص الكفاءات الشابة المتحمسة بسهولة، كما أن خبرة النزيل تتشكل من تفاعلات بشرية لحظية لا تؤديها الأنظمة وحدها، ومن ثم يصبح الفهم الدقيق لدوافع الأجيال الجديدة وطموحاتها وقيمها المهنية مدخلًا لا غنى عنه لأي استراتيجية ناجحة في إدارة رأس المال البشري السياحي المعاصر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية تأثير الخصائص المميزة لجيل الألفية والجيل زد في تحديات الاحتفاظ بالمواهب داخل قطاع الضيافة، والتعرف إلى استراتيجيات إدارة الموارد البشرية الكفيلة بالتعامل الفعال مع هذه الديناميات الجيلية، واعتمدت الدراسة المنهج النوعي، إذ جمعت البيانات من مديري الفنادق ومديري الموارد البشرية في مدينة بورتو في البرتغال، للوقوف على تصوراتهم تجاه تحديات الاستقطاب المرتبطة بالأجيال الأصغر سنًا، والاستراتيجيات التي يستخدمونها للتغلب على تلك التحديات، وحللت هذه التصورات وصولًا إلى فهم معمق لطبيعة المشكلات والحلول الممارسة ميدانيًا في بيئة العمل الفندقي
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن لموظفي جيل الألفية والجيل زد سمات مميزة تجعلهم يمثلون تحديات فريدة في الاستقطاب والاحتفاظ، إذ تختلف قيمهم وتوقعاتهم تجاه العمل عن الأجيال السابقة اختلافًا ينعكس على قراراتهم في الالتحاق بالوظائف والبقاء فيها
2- بينت النتائج أن الفروق الجيلية في الاتجاهات نحو العمل دفعت إدارات الموارد البشرية إلى تبني مجموعة من استراتيجيات الاستقطاب والاحتفاظ المصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل جيل وتطلعاته
3- أكدت النتائج وجود عقبات خاصة بقطاع الضيافة ذاته تزيد من صعوبة جذب الشباب والاحتفاظ بهم، إلى جانب قضايا أوسع ترتبط بإدارة القوى العاملة متعددة الأجيال داخل المنشأة الواحدة
4- تحققت الدراسة من صلاحية استراتيجيات استجابة موجهة للتعامل مع هذه التحديات، بما يعزز قدرة المنشآت على بناء فرق عمل مستقرة رغم تنوع أجيالها واختلاف دوافع أعضائها
5- خلصت النتائج إلى ممارسات فعالة في إدارة الموارد البشرية يمكن أن تساعد منشآت الضيافة على استقطاب الموظفين الشباب من جيل الألفية والجيل زد والاحتفاظ بهم مدة أطول
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات عملية مهمة لمديري الفنادق ومسؤولي الموارد البشرية، إذ تدعوهم إلى تصميم سياسات استقطاب وتدريب ومسارات مهنية تراعي ما يقدره الموظفون الشباب من مرونة وفرص نمو وشعور بالمعنى في العمل، كما تفيد صانعي السياسات في القطاع السياحي عند وضع برامج دعم للمنشآت التي تعاني نقص الكفاءات، وتفتح النتائج الباب أمام دراسات لاحقة تقارن بين سياقات ثقافية مختلفة وتتحقق من فاعلية هذه الاستراتيجيات بصورة كمية أوسع على عينات أكبر من المنشآت والموظفين
وخلاصة القول إن فهم الخصائص الجيلية لموظفي الألفية والجيل زد لم يعد ترفًا إداريًا بل ضرورة لاستدامة قطاع الضيافة، فالمنشآت التي تبني استراتيجياتها على إدراك واع لاختلاف الأجيال وتوقعاتها أقدر على جذب المواهب الشابة والاحتفاظ بها، وأقدر بالتالي على تقديم خدمة مستقرة الجودة في سوق شديدة التنافس
