تحتل كرة القدم موقعًا أساسيًا في حياة الفتيان والفتيات الممارسين لها، ويمكن أن تتحول إلى أداة تربوية لا تقدر بثمن إذا أُحسن توظيفها، غير أن الانخراط في اللعبة لا يضمن بذاته نتائج تربوية إيجابية، فإذا لم يُخطط للإعداد المبكر بعناية ولم يُوجَّه توجيهًا مقصودًا فقد يشجع سلوكيات سلبية غير مرغوبة من الناحيتين الأخلاقية والقيمية، ومن هنا يشدد كثير من الباحثين على أن التهيئة الدقيقة والمتعمدة لممارسة كرة القدم شرط لازم لكي يصبح تعزيز الروح الرياضية واقعًا ملموسًا في مسار تكوين اللاعبين الناشئين
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تطور توجه الروح الرياضية لدى اللاعبين في مدارس كرة القدم الرياضية الاجتماعية التابعة لمؤسسة ريال مدريد ومقارنته بنظيره في أندية كرة القدم التنافسية، مستخدمة مقياس توجهات الروح الرياضية متعدد الأبعاد أداة للقياس عبر فئات عمرية متتابعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
شملت الدراسة ألفًا وخمسمائة وتسعة لاعبين ولاعبات من الناشئة تتراوح أعمارهم بين ثمانية أعوام وستة عشر عامًا، بمتوسط حسابي يقارب أحد عشر عامًا، ينتمي تسعمائة واثنان وخمسون منهم إلى مدارس كرة القدم الرياضية الاجتماعية التابعة لمؤسسة ريال مدريد، بينما ينتمي خمسمائة وسبعة وأربعون إلى أندية كرة القدم التنافسية، وطُبق مقياس توجهات الروح الرياضية متعدد الأبعاد لقياس أبعاد التوجه نحو احترام القواعد والمنافسين والالتزام بالمشاركة الكاملة ورفض السلوكيات المنافية للعب النظيف
واعتمد التحليل على مقارنة مستويات التوجه بين السياقين التدريبين المختلفين وعبر الفئات العمرية داخل كل سياق، لاستكشاف ما إذا كانت البيئة الرياضية الاجتماعية الموجهة تربويًا تحافظ على الروح الرياضية مع تقدم اللاعبين في مسار التكوين، أم أن التوجه يتراجع بفعل ضغوط المنافسة كما يحدث عادة في الأطر التنافسية التقليدية
ثانيًا: أبرز النتائج
1 – حقق لاعبو المدارس الرياضية الاجتماعية التابعة لمؤسسة ريال مدريد قيمًا مرتفعة في توجه الروح الرياضية قياسًا بأقرانهم
2 – ظلت قيم الروح الرياضية مرتفعة لدى لاعبي المدارس الاجتماعية في جميع الفئات العمرية دون تراجع يذكر مع التقدم في مراحل التكوين
3 – أظهر لاعبو أندية كرة القدم التنافسية انخفاضًا دالًا في توجه الروح الرياضية عبر الفئات، بما يشير إلى تآكل التوجه القيمي مع اشتداد المنافسة
4 – بينت المقارنة أن الفارق بين السياقين لا يقتصر على مستوى الروح الرياضية بل يمتد إلى مسارها التطوري عبر سنوات التدريب
5 – عزت النتائج التفوق المحافظ عليه إلى طبيعة النموذج الرياضي الاجتماعي الذي يدمج الأهداف التربوية والقيمية في صلب العملية التدريبية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستفيد الأكاديميات والمدارس الكروية من هذه النتائج في إعادة تصميم برامج الإعداد بحيث تُصان القيم الرياضية مع اشتداد المنافسة العمرية، ويمكن للاتحادات والأندية أن تستلهم النموذج الرياضي الاجتماعي لمؤسسة ريال مدريد في دمج التربية القيمية بالممارسة اليومية بدل تقديمها خطابًا جانبيًا، كما تفيد النتائج أولياء الأمور والمدربين في إدراك أن السياق التدريبي الذي ينشأ فيه اللاعب يترك أثرًا باقيًا في توجهاته الأخلاقية، ما يدعو إلى اختيار بيئات تكوين متوازنة ومتابعة مؤشرات الروح الرياضية ضمن تقويم اللاعبين الناشئين دوريًا
وتبرز أهمية هذه المقارنة في ضوء ما تعرفه الرياضة الناشئة عالميًا من احتراف مبكر وضغوط إعلامية وتجارية متصاعدة قد تزيح القيم التربوية لصالح الفوز وحده، فحين تُظهر بيانات ميدانية واسعة أن سياقًا تدريبيًا مصممًا بقصد تربوي صريح يحافظ على الروح الرياضية عبر الفئات العمرية، يصبح الاستثمار في تصميم البيئات الرياضية الاجتماعية خيارًا سياساتيًا مدعومًا بالدليل لا مجرد شعار، كما تستفيد برامج إعداد المدربين من تضمين مؤشرات التوجه القيمي ضمن مؤشرات الأداء التي يتابعونها بجانب المؤشرات البدنية والمهارية والخططية المعروفة لدى أطقم التدريب في الأكاديميات الحديثة عادة
وخلاصة القول إن النموذج الرياضي الاجتماعي لمؤسسة ريال مدريد قادر على الإسهام في الحفاظ على مستويات مرتفعة من توجه الروح الرياضية طوال عملية تدريب اللاعبين الناشئين، خلافًا للسياق التنافسي التقليدي الذي يشهد تراجعًا دالًا، ما يؤكد أن التخطيط التربوي المتعمد هو ما يحول كرة القدم من ممارسة تنافسية إلى أداة تكوين قيمي راسخة
