أصبح المجتمع الفنلندي أكثر تنوعًا بوتيرة متسارعة خلال العقود القليلة الماضية، وهو تنوع يفرض على مؤسسات تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها أسئلة جديدة حول كيفية استقبال الأطفال والأسر القادمة من خلفيات مهاجرة، وكيفية فهم ما تحمله هذه الأسر من معارف وخبرات وقيم ثقافية، وكيفية بناء شعورها بالانتماء إلى البيئة التعليمية الجديدة، فسنوات الطفولة المبكرة مرحلة تأسيسية في تشكل هوية الطفل وعلاقته بالمؤسسة التعليمية، وتلعب تصورات المعلمين وممارساتهم دورًا حاسمًا في نجاح تجربة هذه الأسر أو تعثرها
تنطلق هذه الدراسة من مفهوم الرأسمال الثقافي عند عالم الاجتماع بورديو لتأطير فهم شعور الأطفال والأسر من خلفيات مهاجرة بالانتماء في مؤسسات الطفولة المبكرة الفنلندية، وتستند إلى أطر المناهج الدراسية في فهم هذه البنى، مستكشفة كيف ينظر معلمو الطفولة المبكرة إلى ما تمتلكه هذه الأسر من رصيد ثقافي، وكيف توجه ممارساتهم التربوية الأطفال والأسر داخل هذه البيئة، وما السبل التي تنمي بها المؤسسة رأسمالهم الثقافي وتدعم اندماجهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تصورات معلمي التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة حول الرأسمال الثقافي للأطفال والأسر الناشئة في أسر من خلفيات مهاجرة، وحول شعورهم بالانتماء في بيئات الطفولة المبكرة في فنلندا، وقد شارك في الدراسة أحد عشر معلمًا، وجُمعت البيانات عبر مقابلات تكونت من مقابلتين ثنائيتين ومقابلتين جماعيتين مع معلمين من أربعة مراكز للطفولة المبكرة، ضم كل منها ما بين معلمين اثنين وأربعة معلمين، وحُللت البيانات بتحليل محتوى مسترشد بالمنهج البنائي للنظرية المجذرة، بما أظهر كيف توجه الممارسات التربوية للمعلمين الأسر والأطفال المهاجرين في فنلندا نحو هوية وطنية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج عددًا من الملامح الجوهرية يمكن إجمالها فيما يأتي: 1- أن الممارسات التربوية لمعلمي الطفولة المبكرة توجه الأسر والأطفال من خلفيات مهاجرة نحو الهوية الوطنية الفنلندية، بما قد ينطوي على تركيز على ثقافة الأغلبية وقيمها في الحياة اليومية للمؤسسة، 2- أن اللعب أسهم في تسهيل تنمية الرأسمال الثقافي لدى هؤلاء الأطفال، بوصفه نشاطًا طبيعيًا يتيح التفاعل والاندماج واكتساب خبرات البيئة الجديدة، 3- أن تعلم اللغة كان قناة رئيسة أخرى لتنمية الرأسمال الثقافي، إذ يفتح أمام الأطفال والأسر أبواب التواصل والمشاركة في مجتمع المؤسسة والمجتمع الأوسع، 4- أن تصورات المعلمين لهذه الأسر ورصيدها الثقافي تشكل مدخلًا حاسمًا في بناء شعور الأطفال بالانتماء أو إضعافه داخل بيئة الطفولة المبكرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة للقائمين على تعليم الطفولة المبكرة في المجتمعات المتنوعة ثقافيًا، إذ تدعو إلى تأهيل المعلمين للوعي بالرأسمال الثقافي الذي تحمله الأسر المهاجرة والبناء عليه بدل تجاوزه، وتصميم أنشطة لعب وتعلم لغة تستثمر في تنمية هذا الرصيد ودعم انتماء الأطفال، كما تنبه إلى أهمية مراجعة الممارسات اليومية التي قد توجه الأسر ضمنيًا نحو هوية واحدة على حساب هوياتهم الأصلية، ويشير الباحثون إلى ضرورة استكشاف وجهة نظر الأسر ذاتها في بحوث مستقبلية، بما يوازن الصورة ويمنح هذه الأسر صوتًا في فهم تجربتها وتقويمها
ويتقاطع موضوع هذه الدراسة مع نقاشات أوسع حول العدالة الثقافية في التعليم، إذ تتساءل أنظمة تعليمية كثيرة عن كيفية الموازنة بين إدماج الأطفال القادمين من ثقافات متنوعة في المجتمع الجديد، والحفاظ على هوياتهم اللغوية والثقافية الأصلية بوصفها رصيدًا يستحق التقدير لا عبئًا ينبغي تجاوزه، وتبرز مؤسسات الطفولة المبكرة في هذا النقاش بوصفها أولى نقاط التماس بين الأسر المهاجرة ومؤسسات المجتمع، ومن ثم فإن ما يجري فيها من ممارسات يومية صغيرة يترك أثرًا بعيد المدى في ثقة الأسر وعلاقتها بالتعليم كله في المراحل اللاحقة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تسلط الضوء على الدور الدقيق والحاسم الذي يضطلع به معلمو الطفولة المبكرة في تشكيل تجربة الأطفال والأسر المهاجرة، مبينة أن اللعب وتعلم اللغة قناتان واعدتان لتنمية الرأسمال الثقافي ودعم الانتماء، وأن فهمًا أعمق لتصورات المعلمين ولوجهات نظر الأسر معًا شرط لتطوير ممارسات أكثر إنصافًا واستيعابًا للتنوع
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/10/977
DOI: 10.3390/educsci13100977
