يمثل التطعيم أحد أكثر التدخلات الصحية جدوى من حيث الكلفة والفعالية في حماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، غير أن التردد في تلقي اللقاحات ما يزال يمثل تحديًا قائمًا خاصة لدى مقدمي الرعاية المكلفين بحماية أطفالهم، إذ يؤثر هذا التردد سلبًا في التغطية الشاملة بالتطعيم في المناطق الموبوءة بالأمراض مثل أفريقيا جنوب الصحراء، ومن هنا تنبع الحاجة إلى فهم العوامل التي تعزز هذا التردد وتحد من التزام الأسر بجداول تطعيم أطفالها في مواعيدها المقررة
وفي هذا السياق سعت هذه الدراسة إلى تقييم معارف مقدمي الرعاية واتجاهاتهم وممارساتهم المتعلقة بتطعيم الأطفال في منطقة أوكايكوي، وهي إحدى المناطق الفرعية في العاصمة الغانية أكرا، بما يتيح رصد مواطن القصور المعرفي والسلوكي التي تعيق اكتمال تطعيم الأطفال، ويقدم أساسًا لتوصيات عملية ترفع معدلات التغطية في المجتمع المحلي وتحمي الأطفال من أمراض يمكن الوقاية منها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا أُجري في المجتمع المحلي لتحديد معارف مقدمي الرعاية واتجاهاتهم وممارساتهم تجاه تطعيم الأطفال، وشملت العينة 120 من مقدمي الرعاية ممن لديهم رضع تتراوح أعمارهم بين 12 و23 شهرًا، وقُوبل المشاركون باستخدام استبانة منظمة تضمنت أسئلة مفتوحة وأخرى مغلقة تناولت مدى الالتزام ببرنامج التطعيم الموسع والعوامل المؤثرة فيه، ثم حُللت البيانات لاستخراج نسب اكتمال التطعيم وأبرز المعوقات من وجهة نظر مقدمي الرعاية أنفسهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1- بلغت نسبة الرضع الذين التزم مقدمو الرعاية بتطعيمهم التزامًا كاملًا 53،3 في المئة فقط من أطفال المجتمع، بينما كان بقية الأطفال مطعمين جزئيًا، مما يعني أن قرابة نصف الأطفال لم يستكملوا جرعاتهم المقررة
2- تمثلت أبرز معوقتين عمليتين لاكتمال التطعيم في ضيق الوقت بنسبة 25،8 في المئة والنسيان بنسبة 17،5 في المئة، وهما عاملان يرتبطان بإيقاع الحياة اليومية وانشغال الأمهات أكثر من ارتباطهما برفض مبدئي للقاحات
3- برز ضعف المعرفة لدى الأمهات بوصفه المعوق الرئيس للالتزام الكامل بتطعيم الأطفال بنسبة 58 في المئة، إذ تبين أن مقدمي الرعاية في المجتمع يمتلكون معرفة محدودة بالتطعيم وفوائده، مما أدى إلى عدم الالتزام الصارم بمواعيد الجرعات
4- لم يتبين أن إقبال الأمهات على التطعيم ومستواهن التعليمي وردود الفعل السلبية للقاحات تؤثر في إكمال برنامج التطعيم الموسع، بل لوحظت مفارقة لافتة مفادها أن مقدمات الرعاية ذوات التعليم الأعلى لم يستطعن استكمال جداول التطعيم بسبب انشغالهن بجداول العمل
5- تبين أن المصدر الرئيس للمعلومات المتعلقة بالتطعيم في المنطقة هو عيادات رعاية الطفل قبل الولادة وبعدها إلى جانب وسائل الإعلام، مما يجعل هاتين القناتين محورًا لأي جهد توعوي مستقبلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف النتائج أن مشكلة التطعيم غير المكتمل في هذا المجتمع معرفية وتنظيمية في المقام الأول أكثر من كونها رفضًا للقاحات، فضعف المعرفة بفوائد التطعيم ومواعيده، مقترنًا بضيق الوقت والنسيان، ينتج فجوة تغطية يمكن ردمها بتدخلات توعوية وتنظيمية منخفضة الكلفة، ومن ذلك أنظمة التذكير بالمواعيد وتيسير أوقات العيادات بما يناسب الأمهات العاملات، كما توصي الدراسة بأن يتعاون العاملون الصحيون مع الإعلاميين لضمان نشر معلومات موحدة وموثوقة عن التطعيم عبر القنوات التي يعتمد عليها المجتمع أصلًا
وتنتمي هذه الدراسة إلى نمط دراسات المعارف والاتجاهات والممارسات الذي يوظف على نطاق واسع في بحوث الصحة العامة لتحديد الفجوات المعرفية والسلوكية قبل تصميم التدخلات، وتبرز قيمتها هنا في أنها لم تقس الالتزام بالتطعيم وحده بل بحثت في دوافع مقدمي الرعاية ومعوقاتهم اليومية، فأظهرت أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بعوامل قابلة للمعالجة التنظيمية مثل تذكير الأمهات بمواعيد الجرعات وجدولة جلسات التطعيم في أوقات تناسب العاملات، فضلًا عن رسائل توعية مبسطة وموحدة تصل عبر عيادات رعاية الطفل ووسائل الإعلام التي يثق بها المجتمع ويعتمد عليها في معلوماته الصحية
وخلاصة القول إن الدراسة شخصت بدقة مواطن التعثر في تطعيم الأطفال بأوكايكوي، إذ لم يتجاوز الالتزام الكامل 53،3 في المئة، وكان ضعف معرفة الأمهات هو المعوق الأكبر، بما يجعل التثقيف الصحي الموحد والتعاون بين الفرق الصحية ووسائل الإعلام مدخلًا واعدًا لرفع التغطية وحماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2023.1230492/full
DOI: 10.3389/fpubh.2023.1230492
