فرضت التغيرات المتسارعة في التعليم العالي إعادة تشكيل تربوية لممارسات التعليم والتعلم والتقويم، إذ يصل إلى الجامعات اليوم طلاب متنوعو الخلفيات والقدرات، وتتطلب مهارات المواطن في القرن الحادي والعشرين أنماطًا تعليمية جديدة، يضاف إلى ذلك أثر إعلان بولونيا والضغوط التي تمارسها المنظمات الدولية على أنظمة التعليم العالي، وقد أبرزت هذه العوامل البعد التربوي مكوّنًا جوهريًا في التنمية المهنية لأعضاء هيئة التدريس، ولاسيما ما يتصل بالتقويم التربوي الذي يظل من أكثر الممارسات إثارة للصعوبات والتساؤلات حول عدالته وأدواته، وتزداد هذه الصعوبات حدة مع تنوع أدوات التقويم وتعدد أغراضه بين التشخيص والتحسين وإصدار الأحكام على تعلم الطلاب، فالتقويم لم يعد مجرد إصدار درجات في نهاية المقرر، بل أصبح عملية ممتدة ترافق التعليم والتعلم وتوجه قراراتهما، وتتطلب من عضو هيئة التدريس كفايات تربوية لا تقل أهمية عن كفاياته التخصصية، ومن هذا المنطلق تناولت هذه الدراسة تصورات أعضاء هيئة التدريس وممارساتهم في التقويم التربوي وأثر التدريب التربوي فيها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد تصورات أعضاء هيئة التدريس وممارساتهم في التقويم التربوي، وتحديد أثر التدريب التربوي في هذه التصورات والممارسات، وأجريت في إحدى جامعات البرتغال، وطبقت فيها الاستبانة إلكترونيًا بصيغتي القياس القبلي والبعدي على 31 عضوًا من أعضاء هيئة التدريس شاركوا في دورة تدريبية حول التقويم التربوي، وقارنت الدراسة تصورات المشاركين وممارساتهم قبل التدريب وبعده للوقوف على ما أحدثه التدريب من تحولات في فهمهم للتقويم وأدواته وقراراتهم بشأنه، واعتمدت الدراسة على مقارنة استجابات المشاركين أنفسهم قبل الدورة وبعدها، بوصفهم مجموعة واحدة خضعت للتدخل التدريبي، بما يتيح رصد التغير في التصورات والممارسات لدى الأفراد أنفسهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة نتائج متعددة، يمكن إجمالها فيما يأتي: ١- يواجه ما يقرب من نصف أعضاء هيئة التدريس صعوبات في التقويم التربوي، وتأتي العدالة في مقدمة القضايا المثارة لديهم، بما يعكس حساسية قرارات التقويم وأثرها في الطلاب، ٢- تتمثل الأدوات الأكثر استخدامًا في التقويم في الاختبارات التحريرية والواجبات البحثية والتقارير، وهي أدوات تقليدية ما زالت تحظى بالحضور الأوسع في ممارسات التقويم الجامعي، ٣- يغير نحو ثلثي أعضاء هيئة التدريس طريقة تقويمهم للطلاب، وتأتي طبيعة الوحدات الدراسية في مقدمة العوامل المؤثرة في هذا القرار، ٤- طرأ تغير في مفهوم التقويم ذاته، إذ استُبدلت بالفكرة الضيقة المتمثلة في اختبار معرفة الطلاب وقياسها وتصنيفها فكرة أوسع تقوم على جمع المعلومات لاتخاذ قرارات بشأن عملية التعليم والتعلم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن التدريب التربوي مدخل أساسي لإعادة بناء تصورات أعضاء هيئة التدريس حول التقويم وتطوير ممارساتهم، فحين يتحول التقويم من مجرد قياس للمعرفة وتصنيف للطلاب إلى عملية لجمع المعلومات واتخاذ القرارات التعليمية، يصبح أكثر عدالة وأكثر خدمة لتعلم الطلاب، ويستدعي ذلك من الجامعات إدماج التدريب على التقويم التربوي في برامج التنمية المهنية لأعضاء هيئة التدريس، ومراعاة طبيعة الوحدات الدراسية عند تصميم أدوات التقويم، ومواجهة صعوبات العدالة التي يواجهها ما يقرب من نصف المقوّمين عبر إرشادات واضحة ومعايير معلنة وأدوات متنوعة تناسب تنوع الطلاب، كما تبرز الحاجة إلى مراجعة سياسات التقويم المؤسسية بما يمنح أعضاء هيئة التدريس مرونة أكبر في اختيار الأدوات المناسبة لطبيعة مقرراتهم، وبناء مجتمعات تعلم مهنية بينهم لتبادل الخبرات حول أدوات التقويم العادل ومراجعة نتائج التقويم دوريًا للتحقق من عدالتها واتساقها مع نواتج التعلم المستهدفة
وخلاصة القول إن التقويم التربوي في التعليم العالي ليس إجراء فنيًا محايدًا، بل ممارسة مهنية تتطلب تدريبًا واعيًا يعيد تشكيل تصورات أعضاء هيئة التدريس وممارساتهم، وإن الاستثمار في هذا التدريب يمثل خطوة جوهرية نحو تقويم أكثر عدالة وفاعلية في خدمة التعلم الجامعي، وبناء ثقافة تقويمية تجعل من التقويم أداة للتعلم لا عبئًا عليه
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/12/1248
DOI: 10.3390/educsci13121248
