يحظى التنمر المدرسي بين طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية باهتمام متزايد من الباحثين والممارسين التربويين، إذ يترك التعرض له آثارًا نفسية واجتماعية وتعليمية عميقة في الضحايا قد تمتد إلى مراحل لاحقة من حياتهم، وتُعد عملية التعرف المبكر على العوامل المرتبطة بخطر الوقوع ضحية للتنمر مدخلًا حاسمًا لخفض هذا الخطر والوقاية منه، فالمدرسة التي تستطيع تحديد الطلاب الأكثر عرضة للتنمر قبل وقوعه تستطيع حمايتهم بتدخلات وقائية موجهة بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الآثار بعد حدوثها، وقد أتاحت أساليب التعلم الآلي للباحثين إمكانات جديدة للتنبؤ بالسلوكيات الخطرة على مستوى الأفراد والتعرف عليها بدقة أكبر مما تتيحه الأساليب التقليدية
وفي هذا الإطار سعت الدراسة الحالية إلى توظيف أحد نماذج التعلم الآلي في فحص منظومة واسعة من العوامل الفردية والأسرية والمدرسية التي يمكن أن تتنبأ بخطر تعرض الطلاب للتنمر بعد عام كامل، بما يسمح بترتيب هذه العوامل بحسب قوتها التنبؤية، ويوجه جهود الوقاية نحو العوامل الأجدى بالاستهداف، فكثير من برامج مكافحة التنمر تعاني من تشتت الجهود بين عوامل متعددة دون معرفة دقيقة بأيها أكثر تأثيرًا في الخطر المستقبلي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا طوليًا من موجتين يفصل بينهما عام كامل، وطبقت نموذج شجرة القرار المعززة بالتدرج وهو أحد نماذج التعلم الآلي القادرة على ترتيب المتنبئات بحسب أهميتها، وشارك فيها 2767 طالبًا منهم 2065 طالبًا في المرحلة الثانوية و702 طالب في المرحلة الابتدائية، وشكلت الطالبات نسبة 55،20 في المئة من العينة، وبلغ متوسط أعمار المشاركين عند الموجة الأولى 12،22 عامًا، وأكمل المشاركون في الموجة الأولى مقاييس غطت 24 متنبئًا شملت عوامل فردية مثل ضبط الذات والجنس والصف الدراسي، وعوامل أسرية مثل التماسك الأسري والضبط الوالدي وأسلوب التربية، وعامل الأقران المتمثل في علاقة الأقران، وعوامل مدرسية مثل العلاقة بين المعلم والطالب والقدرة على التعلم، ثم أكملوا بعد عام في الموجة الثانية استبانة أولويوس للتنمر، ودُرب النموذج على سلسلة من المتعلمين الأساسيين المتتابعين ليخرج بترتيب لأهمية المتنبئات في التنبؤ بالتعرض المستقبلي للتنمر
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر نموذج التعلم الآلي أداءً جيدًا في التنبؤ بما إذا كان طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية سيتعرضون للتنمر المدرسي بعد عام، بما يؤكد صلاحيته أداة عملية للكشف المبكر عن الطلاب الأكثر عرضة للخطر قبل تحول الخطر إلى خبرة فعلية
2- تصدرت ستة متنبئات قائمة الأهمية في النموذج هي على الترتيب: العلاقة بين المعلم والطالب، وعلاقة الأقران، والتماسك الأسري، والوجدان السلبي، والقلق، وأسلوب التربية القائم على الإنكار، وهي متنبئات تتوزع على البيئات الثلاث التي يعيش فيها الطالب وهي المدرسة والأقران والأسرة إضافة إلى حالته النفسية الداخلية
3- انقسمت المتنبئات الستة إلى عوامل وقائية تمثلت في العلاقة الجيدة بين المعلم والطالب وعلاقة الأقران الإيجابية والتماسك الأسري، وعوامل خطر تمثلت في الوجدان السلبي والقلق وأسلوب التربية المنكر، فارتفاع العوامل الوقائية يخفض احتمال التعرض للتنمر بينما يرفع ارتفاع عوامل الخطر هذا الاحتمال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج المدارس والأسر في توجيه جهود الوقاية من التنمر نحو العوامل الأكثر تأثيرًا، فبناء علاقات إيجابية داعمة بين المعلمين والطلاب، وتعزيز العلاقات السليمة بين الأقران، وتدعيم التماسك داخل الأسرة، تمثل خطوط دفاع أولى ضد التنمر، في مقابل ضرورة الانتباه المبكر إلى الطلاب الذين يظهر عليهم الوجدان السلبي والقلق وتقديم الدعم النفسي والإرشادي لهم، وتوعية أولياء الأمور بمخاطر أساليب التربية القائمة على الإنكار والتجاهل، كما يمكن توظيف نموذج التعلم الآلي نفسه أداة تطبيقية في المدارس للتنبؤ المستقبلي بخطر التعرض للتنمر وتحسين فاعلية برامج التدخل المدرسي وتوجيه مواردها المحدودة نحو الطلاب والمواقف الأعلى خطرًا
وخلاصة القول إن الدراسة تبرهن على جدوى التعلم الآلي في التنبؤ بخطر التعرض للتنمر المدرسي قبل وقوعه بعام كامل، وتحدد ستة عوامل محورية تنقسم إلى وقائية وخطرية يمكن أن تستند إليها المدارس والأسر في بناء تدخلات وقائية أكثر دقة وفاعلية وأحسن توجيهًا للموارد
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/14/1/73
DOI: 10.3390/bs14010073
