0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

بين الإغلاق والحبس المنزلي: تجارب أسر الأطفال الصغار ذوي اضطراب طيف التوحد في دلهي بالهند

تستكشف هذه الدراسة النوعية تجارب أسر الأطفال الصغار ذوي اضطراب طيف التوحد في نيودلهي خلال جائحة كورونا والإغلاقات المرتبطة بها، عبر مقابلات معمقة مع أربعة عشر من مقدمي الرعاية، وتبرز النتائج أعباء مالية وانقطاع خدمات وتغيرات سلوكية وأدوارًا إضافية للأمهات، مع دلالات عملية لدعم الأسر المستضعفة في الأزمات

أحدثت جائحة كورونا وما تبعها من إغلاقات شاملة بدءًا من مارس عام 2020 اضطرابًا عميقًا في حياة الأسر في الهند كما في العالم أجمع، إذ فرضت قيود الإغلاق تحديات متزامنة شملت فقدان الوظائف والعزلة الاجتماعية وإغلاق المدارس والأعباء المالية المتصاعدة، وامتد أثرها بصورة خاصة إلى الخدمات الصحية المقدمة للأطفال ذوي الإعاقات النمائية التي تعثرت أو توقفت في ذروة الجائحة

وتكتسب تجارب أسر الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أهمية مضاعفة في هذا السياق، فهؤلاء الأطفال يعتمدون على روتين يومي ثابت وعلى خدمات علاجية وتعليمية منتظمة يصعب تعويضها منزليًا، ومن هنا سعت هذه الدراسة النوعية إلى فهم تجارب هذه الأسر خلال الجائحة فهمًا معمقًا يستنطق أصوات مقدمي الرعاية أنفسهم

ويمثل الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد فئة ذات احتياجات مركبة، إذ يتقاطع لديهم البعد العلاجي مع البعد التعليمي والسلوكي والأسري، ويتطلب دعمهم تنسيقًا مستمرًا بين الأسرة والمدرسة ومقدمي الخدمات الصحية، فإذا اختل هذا التنسيق فجأة كما حدث في الإغلاق، ظهر أثر الاختلال مضاعفًا في استقرار الطفل وسلوكه وفي توازن الأسرة النفسي والاقتصادي معًا

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت الدراسة إلى استكشاف تجارب أسر الأطفال الصغار ذوي اضطراب طيف التوحد في مدينة نيودلهي خلال جائحة كورونا وفترات الإغلاق المرتبطة بها، والوقوف على آثار الجائحة في استقرار الأسرة المالي وفي حصول الأطفال على الخدمات الأساسية وفي سلوك الأطفال وروتينهم اليومي وفي أدوار مقدمي الرعاية داخل الأسرة

واعتمدت الدراسة المنهج النوعي ضمن تجربة أوسع أجريت في الهند، وأجرى الباحثون مقابلات معمقة مع أربعة عشر من مقدمي الرعاية المقيمين في مدينة نيودلهي، وحللوا البيانات المستخلصة منها تحليلًا موضوعاتيًا للكشف عن الأنماط المشتركة في التجربة الأسرية، مع التمييز بين الآثار العامة التي مست الأسر جميعها والآثار الخاصة المرتبطة بطبيعة اضطراب طيف التوحد واحتياجات أطفاله

ثانيًا: أبرز النتائج

أبرزت النتائج تعدد أوجه تأثر الأسر بالجائحة والإغلاق، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية: 1- تعرضت الأسر لآثار عامة في حياتها واستقرارها المالي نتيجة فقدان الوظائف وإغلاق الأعمال واقتطاعات الرواتب، بما انعكس على جودة حياتها اليومية، 2- واجه الأطفال ذوو التوحد محدودية في الوصول إلى الخدمات الأساسية وعقبات مالية أعاقت استمرارها حتى بعد استئناف تقديمها، 3- أثرت حداثة تجربة الإغلاق في سلوك الأطفال فظهرت تغيرات سلوكية صعبة لدى بعضهم، في حين رُصدت آثار إيجابية لدى آخرين، 4- تحمل مقدمو الرعاية الأساسيون، وهن الأمهات غالبًا، مسؤوليات إضافية في الأعمال المنزلية والتعليم المدرسي وتقديم العلاج لأطفالهم، 5- عبّر الآباء رغم التحديات كلها عن الامتنان لسلامة أسرهم ورفاههم خلال تلك الفترة العصيبة

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لتصميم الخدمات الموجهة إلى الأسر المستضعفة في أوقات الأزمات، فهي تدعو إلى ابتكار خطط ائتمانية تخفف الأعباء المالية عن هذه الأسر، وإلى إعداد إرشادات وموارد تساعد الوالدين على إنشاء روتين ثابت لأطفالهم ذوي التوحد والحفاظ عليه، وإلى تبني مقاربات مرنة وقابلة للتكيف في تقديم الخدمات بحيث لا تنقطع بانقطاع الحضور المباشر

كما تؤكد الدراسة الحاجة إلى أحكام خاصة تتيح للأطفال ذوي التوحد الحفاظ على روتينهم خارج المنزل عند الضرورة، وإلى دعم شامل يتضمن موارد تعليمية وإرشادًا في إدارة الضغوط النفسية يمكّن الوالدين من تقديم الرعاية الأساسية لأطفالهم والحفاظ على روتينهم في مثل هذه الظروف غير المسبوقة، بدل ترك الأسرة تواجه الأزمة بإمكاناتها الذاتية وحدها

كما تفيد هذه التجارب في فهم كيفية إعادة الأسر توزيع الأدوار داخلها تحت الضغط، إذ تتحول الأم غالبًا إلى معلمة ومعالجة ومديرة لشؤون المنزل في آن واحد، وهو تراكم أدوار يستنزف طاقتها ويهدد صحتها النفسية إن طال أمده دون مساندة مؤسسية أو مجتمعية منظمة

وخلاصة القول إن تجارب أسر الأطفال ذوي التوحد في دلهي خلال الإغلاق تكشف عن هشاشة مضاعفة تعيشها هذه الأسر عند الأزمات، وتقدم في الوقت ذاته خريطة عملية لأولويات الدعم المالي والخدمي والنفسي الذي ينبغي أن يُبنى مسبقًا استعدادًا لأي أزمات مقبلة مماثلة

سلة طلب الرسائل (0)