توصف ثقافة تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات باستمرار بأنها إقصائية تجاه تنوع هويات الطلاب وخبراتهم وأصواتهم، فعبر ممارسات حصرية وغير منصفة يُجرد هذا التعليم من طابعه الإنساني ويضعف انتماء فئات واسعة من الطلاب إليه، وتوثق في المقابل أدبيات متنامية سبل دعم الشراكة التربوية بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لخلق ممارسات أكثر عدلًا وشمولًا داخل هذه التخصصات
وتنطلق فكرة الشراكة التربوية من إشراك الطلاب شركاء فعليين في تصميم التعلم والتعليم والتقويم وتقديم الاستشارة التربوية، لا متلقين سلبيين فحسب، بما يعيد الاعتبار لأصواتهم وخبراتهم الحية داخل تخصصات طالما عوملت بوصفها معرفة موضوعية محايدة لا تتأثر بالهويات والسياقات الإنسانية لمن يتعلمونها ويدرسونها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى الإجابة عن سؤال رئيس مفاده كيف يخبر أعضاء هيئة التدريس والطلاب الشركاء إمكانات الشراكة التربوية في إضفاء الطابع الإنساني على تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وكيف يدركون هذه الإمكانات ويتصرفون بناء عليها في ممارساتهم التعليمية الفعلية داخل مؤسساتهم
وجمعت الدراسة بين جوانب من المراجعة الاستطلاعية والتحليل الموضوعي التأملي، فحلل الباحثون اثنين وثلاثين منشورًا ركزت على الشراكة التربوية في مجالات التعلم والتعليم والتقويم أو تصميم المنهج والاستشارة التربوية مع طلاب شركاء في دور وسيط بوصفهم مصممين مشاركين أو مستشارين تربويين، وأثرت قراءة الأدبيات وتفسيرها بخبرات المؤلفين من الطلاب المشاركين ووجهات نظرهم الخاصة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت المراجعة عن خمس نتائج رئيسة حول جوانب الشراكات التربوية المسهمة في إضفاء الطابع الإنساني على هذا التعليم، وهي
١- تتيح الشراكات التربوية لأعضاء هيئة التدريس الوصول إلى وجهات نظر الطلاب وإنسانيتهم والتعلم منها مباشرة
٢- تدعم الشراكات أعضاء هيئة التدريس في أن يكونوا أكثر إنسانية وأن يُدركوا على هذا النحو من طلابهم
٣- توفر الشراكات مساحة ووقتًا مخصصين لتطوير مقاربات تعليمية منصفة بصورة مقصودة ومنظمة
٤- تدعم الشراكات تفعيل التعليم المنصف عمليًا داخل القاعات والمختبرات وفي تصميم المقررات وتقويمها
٥- تعزز الشراكات لدى الطلاب الشعور بالأهمية والانتماء والقدرة على الفعل والمبادرة في بيئتهم التعليمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وبناء على هذه النتائج صاغت الدراسة أربع توصيات للراغبين في تبني الشراكة لإضفاء الطابع الإنساني، هي إنشاء أدوار وهياكل دعم لتيسير مشاركة حقيقية عبر المواقع ووجهات النظر المختلفة، وتمكين الطلاب الشركاء من الفئات قليلة التمثيل لإحداث تحول ثقافي، واحتضان إسهامات الطلاب الشركاء من خارج هذه التخصصات العلمية، والاعتراف بأن هذا العمل جهد مستمر لا يُنجز مرة واحدة، وتسهم هذه النتائج والتوصيات مجتمعة في خلق خبرات تعليمية شاملة ومنصفة وممكنة لجميع الطلاب
وتتفرع هذه الدراسة عن حركة أوسع للشراكة الطلابية في التعليم العالي تراكمت أدبياتها خلال العقدين الأخيرين متأثرة بأدبيات التعلم النشط والتربية النقدية التي تنتقد علاقات السلطة التقليدية بين الأستاذ والطالب، غير أن نقل الشراكة إلى تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات يواجه مقاومة خاصة بسبب الطابع الهرمي لهذه التخصصات واعتقاد راسخ بأن المعرفة العلمية لا تحتمل التشارك في صنع قراراتها، وتدل النتائج على أن هذه المقاومة يمكن تجاوزها حين تُبنى الشراكات على أدوار واضحة واعتراف متبادل بالخبرات المختلفة، ويبقى الأفق البحثي مفتوحًا أمام دراسات طولية وتجريبية تقيس أثر الشراكات في تحصيل الطلاب واحتفاظ مؤسساتهم بهم عبر الزمن
ويتصل هذا النقاش بسؤال أوسع حول غاية التعليم الجامعي ذاته، فإذا كان إعداد الخريجين للحياة والعمل في عالم معقد ومتغير هو الهدف، فإن إشراك الطلاب في تشكيل تعلمهم يصبح جزءًا من الرسالة التعليمية لا إضافة تجميلية إليها، وتمنح الشراكات التربوية هذا الهدف صورة عملية قابلة للتطبيق والتقويم والتطوير المستمر
وخلاصة القول إن الشراكة التربوية بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس ليست إجراء تنظيميًا شكليًا، بل مسار عملي لإعادة الإنسانية إلى تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، يعيد توزيع السلطة المعرفية ويمنح الطلاب صوتًا في تشكيل تعلمهم ويحول قيم الأساتذة ومواقفهم نحو مزيد من العدل والشمول
