تفرض الأدوات الرقمية الحديثة حضورًا متزايدًا في التعليم الجامعي، ومن بينها مذكرات التعلم المنظمة التي تتيح للطلاب توثيق خبراتهم التعليمية عبر عناصر قابلة للنقر والاختيار، وتعد هذه المذكرات في الوقت نفسه أداة للقياس والتدخل على نطاق واسع، غير أن ما يعرفه الباحثون عن كيفية استخدام الطلاب لها وتبريرهم لما يفعلونه داخلها ما يزال محدودًا، فقد تكون العناصر القابلة للنقر سهلة الاستخدام، لكن يبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت هذه المذكرات تحمل معنى أعمق لدى الطلاب يتجاوز مجرد التسجيل الآلي لمواقف التعلم اليومية، وحول ما تكشفه تبريراتهم عن طريقة تفكيرهم في تعلمهم ومراقبتهم لتقدمهم
ومن هذا المنطلق سعت هذه الدراسة إلى استكشاف الوسائل التي يلجأ إليها الطلاب لتبرير المحتوى الذي ينشئونه في مذكراتهم المنظمة، والملامح التي يمكن تصنيفهم وفقها بناءً على هذه التبريرات، ومستويات التأمل التي يظهرونها، وعلاقة هذه الملامح بأنماط استخدامهم للمذكرات ذاتها عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجرى الباحثون مقابلات مع عينة من طلاب الهندسة في السنة الأولى من مرحلة الماجستير لجمع تبريراتهم وتأملاتهم المتصلة بمحتوى مذكراتهم المنظمة، واستخدمت اختبارات إحصائية قائمة على الرتب والوسيط لاستكشاف الروابط بين الملامح المستخلصة من المقابلات، كما حلل سلوك الطلاب داخل المذكرات من خلال بيانات السجل الرقمي التي توثق تفاعلهم الفعلي مع الأداة، وبذلك جمعت الدراسة بين البيانات النوعية المستمدة من المقابلات والبيانات السلوكية الموضوعية المستمدة من سجلات الاستخدام، وأتاح هذا التكامل المنهجي رصد الفروق الدقيقة في كيفية تعامل كل فئة من الطلاب مع تقييمات الصعوبة والمشاعر التي تتضمنها المذكرات، وربط ما يقوله الطلاب عما يفعلونه بما يفعلونه فعلًا داخل بيئة التعلم الرقمية، وهو ما يمنح النتائج قوة أكبر في وصف تجربة التعلم الموجه بهذه الأدوات
ولم يكن الرهان في هذه الدراسة على وصف المذكرات من الخارج، بل على فهم ما يحدث داخلها حين يمارس الطالب الاختيار والتقييم والتبرير، فكل نقرة داخل المذكرة تمثل قرارًا صغيرًا يعكس كيفية رؤية الطالب لموقف تعليمي معين، وكيف يفسر شعوره بالصعوبة أو التقدم فيه، وهو ما يجعل تبريرات الطلاب مفتاحًا لفهم البعد التأملي في استخدام هذه الأدوات الرقمية المنظمة وموقعها من خبرة التعلم الكلية التي يعيشها طالب الدراسات العليا في تخصص دقيق كالهندسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج ملامح مميزة للطلاب تتفاوت في خصائصها المتصلة بسلوك استخدام مذكرات التعلم المنظمة، ويمكن إجمال أبرزها في النقاط الآتية: 1- اختلفت الفئات المستخلصة في كيفية إجرائها التغييرات على تقييمات الصعوبة وتقييمات المشاعر داخل المذكرات، بما يعكس تباينًا في أنماط التفاعل مع الأداة وفي درجة الانخراط التأملي فيها؛ 2- تباينت مستويات التأمل التي أظهرها الطلاب في تبريراتهم، فبينما اكتفى بعضهم بتسجيلات وصفية سريعة، قدم آخرون تأملات أعمق تربط مواقف التعلم بأهدافهم وخبراتهم السابقة؛ 3- ارتبطت ملامح الطلاب المبنية على التبريرات بأنماط استخدامهم الفعلية للمذكرات كما رصدتها بيانات السجل، وهو ما يعني أن ما يكتبه الطالب مبررًا لاختياراته ليس نصًا هامشيًا، بل مؤشر دال على طريقته في إدارة تعلمه ومراقبة تقدمه عبر الزمن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه الدراسة مجالًا جديدًا للبحث في مذكرات التعلم المنظمة، وتشجع على تطوير هذه الأدوات بوصفها وسيلة لمتابعة التغيرات في تفكير الطلاب على نطاق واسع، كما تفيد مصممي بيئات التعلم الرقمية في بناء مذكرات تستثير التأمل العميق ولا تكتفي بالاختيارات السريعة، وتساعد أعضاء هيئة التدريس على قراءة مؤشرات مبكرة عن انخراط طلابهم وتقدمهم، ويمكن أن تدعم هذه الأدوات ممارسات التعلم الذاتي المنظم حين توظف بوصفها مساحة للمراجعة والتخطيط لا مجرد سجل للأنشطة المنقضية
وخلاصة القول إن مذكرات التعلم المنظمة تتجاوز كونها سجلًا رقميًا لأنشطة الطالب، لتصبح مرآة لتفكيره وتأمله إذا أحسن تصميمها وتوظيفها، وإن فهم تبريرات الطلاب لاختياراتهم خطوة أساسية في تطوير هذه الأدوات وجعلها رافدًا حقيقيًا للتعلم الجامعي
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/feduc.2023.1223732/full
DOI: 10.3389/feduc.2023.1223732
