تؤثر الصدمات الجيوسياسية في الاقتصادات الصغيرة المنفتحة عبر قنوات متعددة ومترابطة، غير أن تحليلات التوازن العام التطبيقية تفرض عادة توقيت هذه الصدمات واستمرارها افتراضًا مسبقًا لا استنادًا إلى تقدير قياسي، وهو ما قد يحرف الاستنتاجات المتعلقة بالسياسات، ومن هنا تنبع الحاجة إلى إطار يضبط مسارات الصدمات بمعالم مقدرة اقتصاديًا قبل إدخالها في تقييم التوازن العام للرفاه، وتعد تايلاند حالة مناسبة لهذا الفحص بوصفها اقتصادًا صغيرًا منفتحًا تتعدد قنوات تعرضه للصدمات الخارجية
وتسد الدراسة هذه الفجوة ببناء إطار من مرحلتين يربط ديناميات الصدمات المحددة اقتصاديًا بتقييم رفاه التوازن العام وآثاره التوزيعية على شرائح الدخل المختلفة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير إطار من مرحلتين يجمع نموذج الانحدار الذاتي الهيكلي للمتجهات بنموذج التوازن العام القابل للحساب لتحليل انتقال الصدمات الجيوسياسية في تايلاند اقتصاديًا وتوزيعيًا، ففي المرحلة الأولى قُدِّر نموذج انحدار ذاتي هيكلي سردي من سبعة متغيرات على بيانات شهرية للفترة من عام 2000 إلى عام 2025، محددًا بمؤشر المخاطر الجيوسياسية لكالدارا وإياكوفيلو، لاستخلاص استمرارية خمس قنوات انتقال هي أسعار النفط وتكاليف الشحن وأسعار الصرف وطلب السياحة والاستثمار الخاص، وفي المرحلة الثانية ضُبطت مسارات الصدمة بهذه المعالم المقدرة داخل نموذج توازن عام ساكن مقارن تراجعي من 22 قطاعًا عُيِّر على مصفوفة المحاسبة الاجتماعية التايلاندية لعام 2025 وحُوسِب لثلاث فترات سنوية بتحويل تكامل القيمة الحالية
ثانيًا: أبرز النتائج
وتوصلت الدراسة إلى نتائج لافتة، من أبرزها: 1- في حزمة الصدمات الأساسية ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3،18 في المئة ويرتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 5،49 في المئة، وتتخذ خسائر الرفاه نمطًا ثنائي الذروة، فتكون أشدها على الربع الأقل دخلًا عبر التعرض بحصة الاستهلاك وعلى الربع الأعلى دخلًا عبر كثافة القطاعات القابلة للتجارة، منفصلة بذلك عن النمط التنازلي الرتيب في تحليلات القناة الواحدة، 2- تتفوق التحويلات المستهدفة المعايرة بحسب رتبة الدخل على دعم الوقود الشامل في الكفاءة المالية وفعالية الرفاه، إذ بلغ مضاعف الرفاه 1،377 مقابل 0،334، وفي التصاعدية 1،00 مقابل 0،94، وبنصف الكلفة المالية تقريبًا بواقع 1،48 في المئة مقابل 2،97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأساسي، 3- جاء سيناريو إضافي للاستهداف ثنائي الذروة بالكلفة المالية نفسها دون الاستهداف بحسب رتبة الدخل في جميع المقاييس، ودعمت شبكة حساسية من تسع نقاط بالمعايرة المركزية هذه التراتبية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تظهر الدراسة أن ضبط ديناميات الصدمات بين السنوات تجريبيًا في تحليل التوازن العام يمكن أن يغير جوهريًا استنتاجات السياسات تحت صدمات خارجية مترابطة متعددة القنوات، إذ ينقل الاستجابة المفضلة من إعانات أسعار قطاعية إلى تحويلات للأسر من جانب الطلب، وهو درس يفيد صناع السياسات في الاقتصادات الصغيرة المنفتحة عند تصميم شبكات حماية اجتماعية تستهدف الفئات الأشد تضررًا بكلفة مالية أقل وأثر رفاهي أكبر
وتتضح قيمة الإطار المقترح حين تقارن نتائجه بما تنتجه التحليلات التقليدية أحادية القناة، فحين تدخل القنوات الخمس مترابطة في نموذج واحد مضبوط باستمراريات مقدرة من بيانات فعلية، يتغير شكل الخسائر التوزيعية نفسه فلا تعود محصورة في الشرائح المنخفضة الدخل وحدها بل تمتد إلى شرائح مرتفعة الدخل عبر تعرضها للقطاعات القابلة للتجارة، ومن ثم تتغير أولويات الاستجابة الحكومية، إذ يصبح استهداف التحويلات وفق رتبة الدخل أدق وأرخص من الإعانات السعرية الشاملة التي تستنزف المالية العامة وتسرب أثرها إلى غير مستحقيها
كما تنبه الدراسة إلى أن قراءة الآثار التوزيعية للصدمات الخارجية بمنظور الشرائح الدخلية وحدها قد لا تكفي، فالتعرض القطاعي والمهني يتداخل مع الدخل في تشكيل الخسارة الفعلية لكل أسرة، وهو ما يفسر تفوق الاستهداف المرتبط برتبة الدخل حين يقترن بمعرفة دقيقة بقنوات الانتقال التي تضرب عبرها الصدمة الاقتصاد الوطني
وخلاصة القول إن الصدمات الجيوسياسية تضرب الاقتصادات المنفتحة بقنوات مترابطة توزع أعباءها بصورة غير متكافئة، وإن الاستهداف الدقيق للتحويلات بحسب الدخل يمثل أداة الاستجابة الأرشد حين تستند التحليلات إلى مسارات صدمات مقدرة لا مفترضة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/14/6/209
DOI: 10.3390/economies14060209
