طُرحت القيادة التحويلية مقاربة قادرة على إلهام التغيير الفعال في المؤسسات التعليمية، غير أن كيفية تجليها داخل المدارس ما تزال غير مدروسة بما يكفي في المدارس الابتدائية الأيرلندية التي شهدت تغيرات كبيرة في السنوات الأخيرة، ومن هنا تنبع الحاجة إلى فهم معرفة قادة المدارس والنظام التعليمي بهذه القيادة وتصوراتهم لفوائدها وحدودها وجدواها، والصور التي تتجلى بها فعليًا في الممارسة اليومية داخل المدارس الابتدائية
وتندرج الدراسة ضمن البحوث النوعية التي تستكشف القيادة من داخل تجربة ممارسيها أنفسهم، بما يمنح صورة واقعية عن الفجوة أو التطابق بين التنظير للقيادة التحويلية وممارستها في الميدان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف معرفة قادة المدارس الابتدائية وقادة النظام التعليمي بالقيادة المدرسية التحويلية وتصوراتهم لفوائدها وحدودها وجدواها، وكيفية تجليها فعليًا في الممارسة، واعتمدت عينة قصدية ضمت مديرين ونواب مديرين ومساعديهم ومفتشين مدرسيين سابقين، وأُجريت معهم مقابلات معمقة انتظمت حول سؤالين بحثيين يتعلق أولهما بتوصيف معرفة قادة المدارس والنظام وفهمهم وتصوراتهم لجدوى القيادة التحويلية، ويتعلق ثانيهما بكيفية تجلي سلوكيات هذه القيادة في سياقات المدارس الابتدائية، ثم حُللت البيانات تحليلًا موضوعيًا استخلصت منه موضوعات رئيسة وفرعية
ثانيًا: أبرز النتائج
وأسفر التحليل عن موضوعات مترابطة، من أبرزها: 1- تجلى فهم القيادة التحويلية في أبعاد هي التحول والتغيير والنمو، والعلاقات، والرؤية والرسالة والأهداف، والقيادة ذاتها، 2- دارت تصورات الجدوى حول الواقعية، والأشخاص والعلاقات، والتحديات العملية، 3- تمثلت الفوائد المدركة في الطموح، والثقافة المدرسية، والدافعية والقدوة، ومجتمع المدرسة، وتقديم تعلم عالي الجودة، 4- تمثلت الحدود في الشخصية، والضغوط، وبطء العملية، والمتغيرات غير المتوقعة، 5- تجلت القيادة التحويلية في الممارسة عبر التأثير المثالي، والدافعية الإلهامية، والاعتبار الفردي، والاستثارة الفكرية، وتطوير المدرسة، وتحسين العروض المنهجية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
كان اتجاه المشاركين الإيجابي نحو القيادة المدرسية التحويلية مشجعًا، وهو يشير إلى حاجة إلى مزيد من البحوث ولا سيما لفحص التآزر المحتمل بين القيادة التحويلية والقيادة الموزعة في المدارس، وتبرز دلالة الدراسة في تقديمها خريطة واقعية لما يراه القادة الممارسون ممكنًا ومقيدًا في تطبيق هذه القيادة، بما يفيد برامج إعداد القادة وتطويرهم المهني وصناع السياسات التعليمية في أيرلندا وغيرها
وتستمد الدراسة أهميتها من كونها تصغي إلى القادة أنفسهم في سياق أيرلندي يشهد إصلاحات متواصلة في التعليم الابتدائي، فبدل افتراض ما ينبغي أن تكون عليه القيادة التحويلية من الأدبيات العامة، ترصد الدراسة ما يعرفه القادة عنها فعليًا وكيف يحكمون على جدواها من واقع أعبائهم اليومية وعلاقاتهم بمجتمع المدرسة، وهذا المنظور الداخلي يجعل نتائجها أقرب إلى التطبيق وأقدر على توجيه برامج تأهيل المديرين ونوابهم ومساعديهم والمفتشين
كذلك تبرز النتائج أن القيادة التحويلية في وعي المشاركين ليست تقنية إدارية منعزلة بل منظومة علاقات وثقة ورؤية مشتركة تتقاطع فيها الثقافة المدرسية مع جودة التعلم المقدم للطلاب، وأن حدودها التي رصدها القادة، من ضغوط العمل وبطء عمليات التغيير ومتغيرات غير متوقعة، لا تلغي قيمتها بل تحدد شروط نجاحها الواقعية، وفي مقدمتها الدعم المؤسسي من النظام التعليمي وتوزيع أعباء القيادة على فرق عمل لا على أفراد منعزلين
وعلى صعيد السياسات المدرسية، تمنح هذه الرؤى المستقاة من الميدان مديريات التعليم مؤشرات عملية حول ما يحتاج إليه قادة المدارس الابتدائية من تمكين حقيقي، فالقيادة التحويلية لا تنمو بالأوامر المركزية بل بمناخ يتيح للمدير بناء رؤية مشتركة مع فريقه ومتسعًا من الثقة المهنية، كما أن إشراك مفتشين سابقين في الدراسة أضاف بعدًا نظاميًا يربط ممارسة المدرسة بأطر الإشراف والتقويم الخارجية التي تعمل ضمنها
وخلاصة القول إن القيادة المدرسية التحويلية حاضرة في وعي قادة المدارس الابتدائية وممارساتهم بصور متعددة تجمع بين الرؤية والعلاقات والتحفيز، وإن فوائدها المدركة واسعة وإن قيدتها حدود عملية وشخصية تستدعي دعمًا مؤسسيًا وبحثًا إضافيًا في علاقتها بالقيادة الموزعة
