يمثل انتقال طلاب الدكتوراه من كونهم متعلمين للمعرفة إلى باحثين منتجين لها مرحلة جوهرية تعود بالنفع على نموهم الشخصي وتطورهم المهني، وفي قلب هذا الانتقال يقف تشكل الهوية الأكاديمية لديهم، أي تصورهم لذواتهم باحثين وأعضاء في المجتمع العلمي، غير أن كيفية فهم طلاب الدكتوراه لهذه الهوية من منظور نفسي ما تزال بحاجة إلى استكشاف معمق يرصد العمليات النفسية التي تنبني بها هذه الهوية وتتشكل عبرها أثناء رحلة الدراسات العليا
وتتجه الدراسة إلى الجامعات البحثية الصينية بوصفها سياقًا يتسع فيه الاهتمام بتخريج باحثين قادرين على الإسهام في إنتاج المعرفة، مستندة إلى النظرية المجذّرة التي تتيح بناء الفهم انطلاقًا من بيانات المشاركين أنفسهم وتصوراتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية فهم طلاب الدكتوراه في الجامعات البحثية الصينية للهوية الأكاديمية من منظور نفسي، واعتمدت منهجًا نوعيًا قائمًا على النظرية المجذّرة في جمع البيانات وتحليلها وبناء التفسير، وانطلقت من تصور مفاده أن فهم الطلاب لهويتهم الأكاديمية ليس حالة ثابتة بل عملية نفسية متحركة تتفاعل فيها خبراتهم الدراسية والبحثية مع إحساسهم بمعنى العمل الأكاديمي وشعورهم بالقدرة على القيام به، وهو ما سعت الدراسة إلى نمذجته في أنشطة نفسية وأنماط متمايزة يمكن أن تساعد المؤسسات على فهم طلابها ومساندتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج، من أبرزها: 1- ينطوي فهم طلاب الدكتوراه للهوية الأكاديمية على ثلاث عمليات نفسية هي التعرف إلى الموقف، والتفاعل النفسي، والتموضع التأملي، 2- يتشكل هذا الفهم عبر عاملين رئيسين هما الإحساس بالمعنى الأكاديمي والإحساس بالكفاءة الأكاديمية، وينتج عن تفاعلهما أربعة أنماط هي الإتقان، والسعي الأكاديمي، والاغتراب والعجز، والنضال من أجل المعنى، 3- يقوم المعنى الأكاديمي مقام القوة الدافعة الداخلية لتطوير الهوية الأكاديمية، بينما تعمل الكفاءة الأكاديمية بوصفها شرطًا نفسيًا للمحافظة على هذه الهوية واستقرارها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالة الدراسة في تقديمها إطارًا نفسيًا يفسر تباين تجارب طلاب الدكتوراه بين من يعيش هويته الأكاديمية بإتقان ورضا ومن يعيشها باغتراب وعجز، وتدعو الجامعات والمشرفين إلى تعزيز إدراك الطلاب للمعنى الأكاديمي لعملهم وتنمية إحساسهم بالكفاءة الأكاديمية، بوصف ذلك مدخلًا عمليًا لدعم انتقالهم الناجح من متعلمين إلى باحثين، والحد من مشاعر الاغتراب التي قد تعترض مسيرتهم البحثية
وتضيف الدراسة إلى أدبيات الدراسات العليا إطارًا نفسيًا مبنيًا من بيانات الميدان لا مفروضًا عليه من خارجه، بفعل اعتمادها النظرية المجذّرة التي تولد مفاهيمها من خبرات المشاركين أنفسهم، وهو ما يجعل العمليات الثلاث والأنماط الأربعة التي خلصت إليها قابلة للفحص والتطوير في سياقات جامعية أخرى، كما تصل الدراسة بين بعدين كثيرًا ما عولجا منفصلين في الأدبيات هما معنى العمل الأكاديمي لدى الطالب وشعوره بالقدرة على أدائه
وعمليًا، تمنح هذه النتائج إدارات الدراسات العليا والمشرفين الأكاديميين مؤشرات مبكرة لتمييز الطلاب الذين يعيشون هويتهم الأكاديمية باغتراب وعجز ممن يعيشونها بسعي وإتقان، ومن ثم تصميم تدخلات متمايزة تشمل الإرشاد الأكاديمي وبناء جماعات البحث الداعمة وتوضيح معنى الإسهام العلمي لكل طالب في تخصصه، فضلًا عن تعزيز الكفاءة الأكاديمية عبر خبرات نجاح متدرجة وتغذية راجعة بناءة تحفظ للطالب هويته الباحثة أمام تحديات مرحلة الدكتوراه
ويتصل هذا الفهم بخصوصية مرحلة الدكتوراه ذاتها، إذ يتحول الطالب تدريجيًا من متلق للمعرفة ومنجز لمتطلبات مقررة إلى باحث يبني موقفًا علميًا خاصًا ويسهم في حقل معرفي قائم، وهذا التحول الهوياتي لا يخلو من توترات قد تذكي شعورًا بالاغتراب لدى بعض الطلاب حين يضعف إحساسهم بمعنى ما يقومون به أو بقدرتهم على إنجازه، وبالمقابل قد تتحول المرحلة ذاتها إلى خبرة نمو غنية حين يجد الطالب في بحثه معنى يستحق السعي ودعمًا يعزز كفاءته
وخلاصة القول إن الهوية الأكاديمية لدى طلاب الدكتوراه تبنى عبر عمليات نفسية متتابعة يغذيها الإحساس بالمعنى وتثبتها الكفاءة الأكاديمية، وإن عناية الجامعات بهذين البعدين تمثل استثمارًا مباشرًا في نجاح طلابها الباحثين واستقرارهم النفسي والمهني
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/14/6/575
DOI: 10.3390/educsci14060575
