يُعد تطوير السرديات سمة مميزة للبشر منذ مراحلهم المبكرة، إذ تتيح لهم تكوين المجتمع وتوليد التماسك، ومن السرديات التي صمدت آلاف السنين سردية السلام، لكن في بعض الأقاليم انتشر الطموح المفرط والخوف المفروض بالقوة والسلطة على القوانين، وفي حالة كولومبيا حوّلت الحرب بوصفها صناعة أطرافًا مختلفة إما إلى أطراف تحظى بالتأييد أو إلى أطراف تُجعل غير مرئية في سرديات وسائل الإعلام التقليدية
تفحص الدراسة التي نعرضها هنا كيف بنت الصحافة الجامعية أجندة لصحافة السلام، متخذة سردية اتفاق السلام في كولومبيا إطارًا للملاحظة، وذلك باستخدام البيانات الضخمة والمعاجم الآلية والتحليل الإحصائي للخطاب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية بناء الصحافة الجامعية لأجندة صحافة السلام من خلال سردية اتفاق السلام في كولومبيا، وإلى إبراز دور العدالة والتنوع والشمول في سيناريو الانتقال السلمي، واستخدمت الدراسة تقنيات بحث مختلطة، حيث روى الطلاب وجهات نظرهم الفردية التي أسهمت في رؤية جماعية من خلال دمج أصوات من يعانون الصراع يوميًا، وحُللت النصوص بالبيانات الضخمة والمعاجم الآلية والتحليل الإحصائي للخطاب
ويتيح هذا التصميم رؤية كيف تبني الصحافة الجامعية سرديتها الخاصة المختلفة عن سرديات الإعلام التقليدي، وكيف تسهم الأصوات الشبابية المدعومة بالخبراء في تمكين المجتمع والاعتراف بالضحايا ضمن سياق الصراع الكولومبي وبنيته الاجتماعية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت الدراسة أن الصحافة الجامعية تتبنى مقاربة سردية متنوعة تركز على عرض المشكلات الاجتماعية وأوجه عدم المساواة ونقص القدرات السياسية داخل المجتمعات والحاجة إلى مقاربة انتقالية نحو السلام والسعي إلى الحقيقة
2، أظهرت الدراسة أن محتوى الإعلام التقليدي لطالما فضّل صحافة الحرب وأهمل مقاربتين حيويتين هما صحافة السلام والصحافة الجامعية، مما يبرز أهمية البدائل السردية التي تقدمها الجامعات
3، أظهرت الدراسة أن إدراج آراء الشباب المدعومة بالخبراء في العملية أدخل عنصر تمكين المجتمع والاعتراف بالضحايا، وهو ما يمنح السردية بعدًا إنسانيًا يتجاوز نقل الأحداث إلى الاعتراف بمن عانوا منها
4، كشفت الدراسة كذلك أن الأكاديميا من خلال وظيفتها التدريبية تطور تمارين قد تمس سلامة القيم المعيارية للاتصال والصحافة، مما يثير تساؤلات مهمة حول كيفية تدريب الصحفيين دون المساس بقيم المهنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير الدلالة الرئيسة للدراسة إلى الحاجة إلى تعزيز العمليات البيداغوجية للسلام في المناهج والتدريب، بما يمكّن الجيل القادم من الصحفيين في البلاد من تحويل خطابهم نحو صحافة السلام والحلول المتباينة، بدل الحلول التي تقترحها وسائل الإعلام التقليدية
كما تدعو النتائج إلى الاهتمام بالعدالة والتنوع والشمول بوصفها ركائز للانتقال السلمي، لأن السردية التي تعرض المشكلات الاجتماعية وأوجه عدم المساواة وتسعى إلى الحقيقة تمنح المجتمعات أدوات أفضل لفهم صراعاتها وتجاوزها
وتشير خلفية الدراسة إلى أن سرديات الإعلام لا تكتفي بنقل الواقع بل تصنعه جزئيًا، فحين تُغيَّب أصوات الضحايا والمجتمعات المحلية يتشكل لدى الجمهور تصور مشوه عن الصراع وعن إمكانات السلام، ولذلك فإن بناء أجندة صحفية بديلة ليس ترفًا أكاديميًا بل تدخلًا في الخيال الجماعي الذي تستند إليه المصالحات الاجتماعية
ويكتسب دور الجامعة في هذا السياق أهمية مضاعفة، لأنها ليست مجرد ناقل للسردية بل مختبر لصناعتها وتدريب صانعيها، فالطلاب الذين يتعلمون رواية قصص مجتمعاتهم بأصوات أصحابها يصبحون صحفيين أكثر حساسية لقضايا العدالة والتنوع والشمول، وأكثر قدرة على مقاومة إغراءات التغطية الحربية السريعة
كما أن اعتماد الدراسة على البيانات الضخمة والمعاجم الآلية منحها قدرة على معالجة كميات كبيرة من النصوص وكشف الأنماط السردية المتكررة التي قد لا تلاحظها القراءة الفردية، وهو ما يجعل نتائجها حول طبيعة السردية الجامعية مستندة إلى أدلة نصية واسعة لا إلى انطباعات محدودة
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن الصحافة الجامعية قادرة على بناء أجندة سلام مختلفة، تقوم على أصوات الشباب والضحايا والسعي إلى الحقيقة، وتفتح بذلك طريقًا لصحافة تسهم في السلام بدل الاكتفاء بتغطية الحرب
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/feduc.2023.1083050/full
DOI: 10.3389/feduc.2023.1083050
