تُظهر التحولات الحديثة بعيدًا عن التخصصات المحددة بحدة نحو التعليم العابر للمناهج في مراحل التعليم العام وعودًا كبيرة بتعزيز اهتمام الطلاب وأهمية المحتوى الدراسي، لكن تنفيذ هذا التوجه كما يُتصور يواجه تحديات كثيرة، ليس أقلها إعداد المعلمين، إذ ينشأ معظم المعلمين الحاليين على معايير تخصصاتهم وهوياتها خلال إعدادهم قبل الخدمة
تفحص الدراسة التي نعرضها هنا كيف يتعامل المعلمون الذين تكوّنوا مهنيًا في تخصصات مختلفة مع مشروع يزعم الربط بين تلك التخصصات، وذلك باستخدام منهجية المقابلات المعرفية، بهدف فهم متطلبات المهام المعرفية واستراتيجيات الخبراء في التعليم العابر للمناهج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية اقتراب المعلمين من تخصصات مختلفة من مشروع عابر للمناهج يربط بين العلوم والصحافة، وإلى تحديد متطلبات المهام المعرفية واستراتيجيات الخبراء في هذا السياق، واعتمدت الدراسة منهجية المقابلات المعرفية، حيث سُئل المعلمون كيف سيخططون لمشروع صحافة علمية وينفذونه، وتتبع الباحثون طريقة تفكيرهم في التخطيط والتنفيذ
ويتيح هذا التصميم الكشف عن العدسات التخصصية التي ينظر من خلالها المعلمون إلى المشروع المشترك، وعن الجوانب التي يركزون عليها وتلك التي يهملونها، بدل الاكتفاء بسؤالهم عن آرائهم العامة في التعليم العابر للمناهج
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وجد الباحثون أن تخطيط الدروس وتنفيذها مهمة متشابهة عمومًا لدى أنواع مختلفة من المعلمين، مما يشير إلى وجود قاعدة مهنية مشتركة في العمل التدريسي تتجاوز حدود التخصص
2، وجد الباحثون كذلك أن معلمي العلوم ومعلمي الصحافة ركزوا في الغالب على الجوانب من مشروع الصحافة العلمية التي تناسب تخصصهم الخاص، فكان كل فريق ينظر إلى المشروع من خلال عدسة تخصصه، وهو ما يعكس قوة التنشئة التخصصية في تشكيل الممارسة
3، أبدى جميع المعلمين الذين أُجريت معهم المقابلات اهتمامًا بالإمكانات التي يفتحها المشروع العابر للمناهج، وهو ما يشير إلى وجود استعداد حقيقي لدى المعلمين للتجريب رغم ميلهم إلى عدساتهم التخصصية
4، تشير النتائج مجتمعة إلى أن الابتكارات التعليمية الواعدة قد تُنفذ من خلال عدسة التخصص ما لم يُمنح المعلمون دعمًا يراعيهم بوصفهم متعلمين، وهو ما يبرز الحاجة إلى الاهتمام بالتصميم التعليمي للمواد الموجهة إلى المعلمين أنفسهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو نتائج الدراسة إلى مزيد من الاهتمام بالتصميم التعليمي للمواد الموجهة إلى المعلمين، وإلى دعم المعلمين بوصفهم متعلمين في التعليم العابر للمناهج، لأن نجاح هذه المشروعات لا يعتمد على جودة الفكرة وحدها بل على قدرة المعلم على تجاوز عدسته التخصصية ورؤية المشروع بوصفه كيانًا مشتركًا
كما تشير النتائج إلى الحاجة لمزيد من البحث حول التنفيذ وتبني المشروعات العابرة للمناهج في المدارس، ولا سيما حول كيفية مساعدة المعلمين على التوازن بين عمق تخصصهم وانفتاحهم على التخصصات الأخرى
ويطرح مشروع الصحافة العلمية سؤالًا دقيقًا حول طبيعة التكامل المعرفي نفسه، فحين يكتب الطلاب عن العلم بأسلوب صحفي يمارسون في الحقيقة ترجمة مزدوجة، ترجمة للمفاهيم العلمية إلى لغة مفهومة، وترجمة لتجربة البحث العلمي إلى قصة لها بداية وتطور وخاتمة، وهذا الضغط المزدوج هو ما يجعل المشروع غنيًا ومتطلبًا معرفيًا في آن واحد
ويلاحظ أن ميل كل فريق تخصصي إلى جوانبه الخاصة لا يعني رفضًا للتكامل، بل يعني أن التكامل لا يحدث تلقائيًا بمجرد جمع التخصصات في مشروع واحد، فالمعلمون يحتاجون إلى أدوات ومواد مصممة بعناية تساعدهم على رؤية المشروع كله بدل رؤية الجزء الذي يشبه تخصصهم فقط
ومن هنا تبرز المقابلات المعرفية بوصفها أداة كاشفة، لأنها لا تكتفي بما يقوله المعلمون عن نواياهم، بل تتتبع كيفية تفكيرهم أثناء التخطيط خطوة بخطوة، فتكشف أين يتوقف تفكيرهم التخصصي وأين يمكن أن يبدأ التفكير العابر للمناهج، وهي معرفة ضرورية لأي مصمم لبرامج تطوير المعلمين
وخلاصة القول إن الدراسة تطرح سؤالًا جوهريًا بلغة عنوانها، فالفرق بين العلم من خلال سرد القصص وسرد القصص عن العلم ليس مجرد تلاعب بالألفاظ، بل يعكس اختلافًا حقيقيًا في كيفية فهم المعلمين للمشروع العابر للمناهج وتنفيذه
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/feduc.2023.1279861/full
DOI: 10.3389/feduc.2023.1279861
