تتعرض الصحة النفسية للطلاب لتهديد متزايد بفعل المنافسة الأكاديمية وفيض المعلومات والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك تظل خدمات الإرشاد الجامعي في كازاخستان قليلة الاستخدام بسبب عوائق بنيوية وثقافية تحول بين الطالب والمتخصص، رغم حاجته الماسة إلى الدعم
وفي هذا الفراغ يتقدم بديل غير متوقع، إذ صار كثير من طلاب جيل زد يفضلون اللجوء إلى روبوتات المحادثة بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها تشات جي بي تي، طلبًا للدعم النفسي، وهو تحول يثير أسئلة عميقة حول مستقبل الإرشاد الجامعي، ويهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الإرشاد النفسي وتقنيات التعليم الذين يرصدون الظاهرة ذاتها في جامعاتهم، ويسعون إلى فهم أسبابها وحدود مخاطرها وفرص توظيفها بمسؤولية
وتعاني خدمات الإرشاد النفسي الجامعي في بلدان كثيرة من مفارقة مؤلمة، فبينما ترتفع معدلات القلق والاكتئاب والضغوط بين الطلاب عامًا بعد عام، يبقى الإقبال على هذه الخدمات منخفضًا قياسًا بالحاجة، لأسباب تتصل بالوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، وبطول قوائم الانتظار، وبشكوك الطلاب في سرية ما يبوحون به، وقد دفعت هذه المفارقة الباحثين إلى دراسة طلب المساعدة بوصفه سلوكًا اجتماعيًا معقدًا لا مجرد قرار فردي بسيط يتخذه الطالب في لحظة ضيق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا مختلطًا متقارب الأساليب، شمل مسحًا كميًا ضم 328 طالبًا في السنة الأولى بجامعة أستانا لتقنية المعلومات بلغت نسبة الاستجابة فيه 72.9 في المئة، ومقابلات معمقة شبه منظمة مع 103 مشاركين، وحُللت نصوص المقابلات بالتحليل الموضوعي بدليل ترميز باستخدام برنامج إن فيفو 14، وبلغ اتساق المرمزين معامل كابا قدره 0.82
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبدى 70.1 في المئة من غير مستخدمي خدمات الإرشاد تفضيلهم لتشات جي بي تي بديلًا عن الإرشاد النفسي المهني، ما يكشف عن نمط إزاحة يقوده التفضيل نحو أدوات الذكاء الاصطناعي في سياق محدودية الوصول المؤسسي
2، تمثلت أبرز العوائق في صعوبة جدولة المواعيد بنسبة 84.8 في المئة، ومخاوف السرية بنسبة 73.0 في المئة، وانخفاض الثقة في كفاءة المتخصصين بنسبة 62.3 في المئة
3، رصدت الدراسة تباينًا لافتًا لدى الطلاب الناطقين بالكازاخية، إذ قيموا مرونتهم النفسية تقييمًا أعلى في القياس الكمي، بينما أبلغوا في المقابلات عن حرج من مناقشة المشكلات النفسية، وهو ما فُسر بوصفه إخفاء ثقافيًا للضيق النفسي في التقرير الذاتي
4، وثقت النتائج فجوة منهجية بين الوعي بخدمات الإرشاد واستخدامها الفعلي، واقترحت الدراسة خمس توصيات سياساتية مبنية على الأدلة، منها وضع معيار مهني وطني لأخصائيي الجامعات النفسيين، ودمج منصات صحة نفسية رقمية مكيفة ثقافيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف الدراسة أن مشكلة الإرشاد الجامعي ليست غياب الحاجة بل غياب الوصول والثقة، وأن الذكاء الاصطناعي يملأ الفراغ الذي تتركه المؤسسات لا لأنه أفضل بل لأنه أيسر وصولًا وأقل وصمة، وينبغي للمؤسسات الجامعية أن تعيد بناء خدماتها بحيث تستعيد ثقة جيل زد، مع توظيف المنصات الرقمية مكملًا منظمًا خاضعًا للإشراف المهني لا بديلًا عشوائيًا عن الإرشاد المتخصص، وهو درس يتجاوز سياق كازاخستان إلى جامعات كثيرة تواجه التحول ذاته وتتنافس فيها الخوارزميات مع المرشد البشري على ثقة الطلاب
وفي المقابل لا ينبغي أن يقرأ تفضيل الطلاب للذكاء الاصطناعي بوصفه تفوقًا علاجيًا لهذه الأدوات، فهي تفتقر إلى المساءلة المهنية والقدرة على التدخل في الأزمات الحقيقية، وقد تقدم ردودًا مطمئنة في مواضع تستدعي إحالة عاجلة إلى متخصص بشري، ومن ثم فإن السياسات الرشيدة هي التي تنظم حضور هذه الأدوات ضمن منظومة الصحة النفسية الجامعية، بمعايير مهنية وإفصاح واضح عن حدودها، بدل إنكار وجودها أو ترك الطلاب وحدهم معها دون إرشاد أو حماية
وخلاصة القول إن الطلاب لا يرفضون الإرشاد النفسي بل يرفضون عوائقه، ومن أراد أن يستعيد مكانته في حياة جيل زد فعليه أن يصلح المواعيد والسرية والثقة قبل أن ينافس خوارزميات متاحة في كل وقت








