يعد اتخاذ القرار لدى الأطفال مهارة اجتماعية معرفية تنمو داخل منظومة أوسع تعزز فهم الآخرين وإدارة السياقات بين الأشخاص إدارة فعالة، ويرتبط لذلك ارتباطًا وثيقًا بنظرية العقل، أي قدرة الطفل على فهم الحالات الذهنية للآخرين، وبالتعاطف الذي يجعله يشعر بهم ويستجيب لهم
وتتفرع هذه المهارة إلى صور مختلفة، منها الإنصاف في توزيع المكاسب، والإيثار في مساعدة الآخرين دون مقابل، وتأجيل الإشباع انتظارًا لمكافأة أكبر، ويهم الباحثين في علم نفس النمو والتربية أن يعرفوا ما إذا كانت هذه الصور تستند جميعها إلى الأسس النفسية ذاتها، أم أن لكل صورة محركاتها الخاصة التي تختلف عن غيرها، فالإجابة عن هذا السؤال توجه أساليب التربية والتدريب المناسبة لكل مهارة
وتشهد سنوات المدرسة الابتدائية تحولات عميقة في حياة الطفل الاجتماعية، إذ تتسع شبكة علاقاته خارج الأسرة، وتشتد حاجته إلى التفاوض والتقاسم وحل النزاعات مع الأقران، ولهذا يستخدم باحثو النمو ألعابًا اقتصادية مبسطة لقياس قرارات الأطفال في مختبراتهم، فلعبة الإنذار الأخير تقيس الإنصاف بمدى تقبل الطفل لتقسيم يقترحه شريك، ولعبة الديكتاتور تقيس الإيثار بما يمنحه الطفل لغيره طوعًا دون انتظار مقابل، بينما تقيس مهمة المارشميلو قدرته على تأجيل مكافأة صغيرة فورية انتظارًا لمكافأة أكبر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
فحصت الدراسة كيفية ارتباط نظرية العقل والتعاطف وسمات الشخصية والقدرات المعرفية باتخاذ القرار في منتصف الطفولة، فيما يخص الإنصاف والإيثار وتأجيل الإشباع تحديدًا، وشارك فيها 94 طفلًا تراوحت أعمارهم بين ستة أعوام وعشرة أعوام، وأدى الأطفال مهام تقيس الإنصاف بلعبة الإنذار الأخير، والإيثار بلعبة الديكتاتور، وتأجيل الإشباع بمهمة المارشميلو الشهيرة، إلى جانب مقاييس لنظرية العقل والتعاطف وسمات الشخصية والقدرة المعرفية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تنبأت نظرية العقل والتعاطف الموقفي بالإنصاف، ما يوحي بأن التصرف المنصف ينطوي على دمج الاستدلال على الحالات الذهنية مع الاستجابة الوجدانية المرتبطة بالسياق
2، ارتبط الإيثار ارتباطًا خاصًا بالتعاطف الوجداني وحده، ما يشير إلى أن ميل الأطفال إلى مساعدة الآخرين تقوده في المقام الأول حساسيتهم الوجدانية تجاههم
3، لم يرتبط تأجيل الإشباع بنظرية العقل ولا بالتعاطف، بل تنبأت به سمة الانفتاح على الخبرة من سمات الشخصية، ما يعكس دور النزعات الدافعية الشبيهة بالسمات في ضبط النفس انتظارًا للمكافأة
4، لم يتنبأ العمر ولا القدرة المعرفية العامة بأي من مخرجات اتخاذ القرار المدروسة، وأكدت تحليلات المسار أن الإنصاف والإيثار تقودهما آليات اجتماعية معرفية، بينما يعتمد تأجيل الإشباع أساسًا على الاستعدادات الفردية لا على المعالجة بين الأشخاص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توضح هذه النتائج الإسهامات الخاصة لكل من نظرية العقل والتعاطف والشخصية في قرارات الأطفال، وتحمل دلالات مهمة للممارسات التنموية والتربوية، فتنمية الإنصاف تستدعي تدريب الأطفال على فهم أذهان الآخرين ومشاعرهم في المواقف الواقعية، وتنمية الإيثار تستدعي إثارة التعاطف الوجداني، بينما يحتاج تأجيل الإشباع إلى عناية بالنزعات الدافعية الفردية، ويستفيد منها الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا في تصميم برامج التربية الأخلاقية والاجتماعية في المدارس الابتدائية
وعلى مستوى الممارسة اليومية، يمكن للوالدين والمعلمين تنمية الإنصاف بإشراك الأطفال في نقاش أسباب عدالة التقسيم أو ظلمه بدل فرض القواعد عليهم، وتنمية الإيثار بأنشطة تطوعية جماعية وقصص تستثير تخيل مشاعر الآخرين، بينما يدعم تأجيل الإشباع ببيئة مستقرة يمكن الوثوق بوعودها وبروتين متوقع يكافئ الصبر تدريجيًا، وهي مداخل تربوية بسيطة تستند إلى فهم الآليات المختلفة الكامنة خلف كل سلوك، بدل التعامل مع التربية الأخلاقية كتلة واحدة لا تتجزأ ولا تتغير
ويلاحظ أن اعتماد الدراسة على مهام مختبرية مقننة يمنح نتائجها دقة داخلية عالية، إذ تقيس القرار في مواقف مضبوطة قابلة للمقارنة بين الأطفال، مع بقاء الحاجة إلى دراسات ميدانية تتابع قرارات الأطفال الفعلية في فصولهم وساحات لعبهم حيث تتداخل عوامل الأقران والمعلمين والأسرة
وخلاصة القول إن قرارات الأطفال ليست مهارة واحدة متجانسة، فالإنصاف وليد فهم العقول والمشاعر، والإيثار ثمرة التعاطف، وضبط النفس رهين سمات الشخصية، وعلى التربية أن تخاطب كل مهارة بما يناسبها من مداخل








