تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي مجتمعات رقمية يلجأ إليها الفتيان والرجال طلبًا للنصح في شؤون الحياة، وتتعامل دراسات الإعلام الجديد مع هذه الفضاءات بوصفها بيئات خصبة لتداول خطابات ذكورية قد تنزلق نحو التطرف والسلبية، غير أن الصورة ليست دائمًا بهذه البساطة، إذ تكشف بعض هذه المجتمعات عن أنماط خطابية مغايرة تعقد الافتراضات الشائعة حول كيفية تعبير الذكور عن قلقهم ومظالمهم في الفضاء الرقمي، وتفتح الباب أمام فهم أدق للعلاقة بين الفلسفة الشعبية والهوية الذكورية والثقافة الاقتصادية السائدة في المجتمعات المعاصرة
وتكتسب دراسة هذه الظواهر أهمية متزايدة للباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في علوم الإعلام والاجتماع، لأن المجتمعات الرقمية العربية تشهد بدورها انتشار مجموعات تناقش قضايا الرجال والهوية والنجاح الفردي، وفهم المنطق الذي يحكم هذه الخطابات يساعد الباحث على تحليل الخطاب المحلي بأدوات نقدية رصينة، وعلى التمييز بين المحتوى السام فعلًا وبين المحتوى الذي يحمل رؤية اقتصادية وأخلاقية مختلفة قد تبدو أكثر قبولًا لدى التيار العام
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل مجتمع رواقية ريديت وهو منتدى فرعي واسع على منصة ريديت يقدم فيه الفتيان والرجال الذين يعرفون أنفسهم بأنفسهم طلبات للنصح الرواقي الفلسفي في مسائل حياتية متنوعة، وسعى الباحثون إلى استكشاف طبيعة الخطاب المتداول في هذا الفضاء ذي الصبغة الذكورية الواضحة، والتحقق مما إذا كان يعيد إنتاج خطاب المانوسفير السام المعروف في فضاءات ذكورية أخرى، أم يقدم أنماطًا مضادة تعقد الافتراضات حول الممارسات الخطابية للذكور على الإنترنت، واعتمدت الدراسة منهجًا مزدوجًا يجمع بين التحليل الحاسوبي والتحليل النوعي للنصوص المنشورة في المجتمع، وانطلق الباحثون من توقع مسبق بأنهم سيجدون أدلة جوهرية على خطاب سام على غرار خطاب المانوسفير، مع أملهم في الكشف عن أنماط مضادة على نحو ما أظهرته دراسة سابقة لموقع فورتشان
ثانيًا: أبرز النتائج
1، غياب الخطاب السام غيابًا تامًا عن المجتمع المدروس، خلافًا لما توقعه الباحثون في مستهل الدراسة، إذ لم ترصد التحليلات أي حضور للأنماط الخطابية السامة المرتبطة بفضاءات المانوسفير
2، حضور مبادئ نيوليبرالية في صلب السرديات المضادة المتداولة داخل المجتمع، وفي مقدمتها التركيز على الفردانية وثقافة الاجتهاد والكدح الرأسمالية، وهي المبادئ ذاتها التي بينت أعمال ثوربورن أنها تشكل أساسًا لمنطق المانوسفير ذاته، غير أنها تظهر هنا في صورة أكثر استساغة لدى الحساسية العامة السائدة
3، تهميش التفسيرات الاقتصادية البنيوية لقلق الفتيان والرجال ومشكلاتهم داخل هذه الاستجابات العامة للمانوسفير، إذ يميل الخطاب إلى إرجاع الأزمات إلى مسؤولية الفرد وقدرته على ضبط ذاته بدلًا من إرجاعها إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل هذه النتائج على أن مقاومة الخطاب الذكوري السام لا تعني بالضرورة تجاوز المنطق النيوليبرالي الذي يغذي القلق الذكوري ذاته، فالسردية المضادة قد تكون أكثر تهذيبًا في لغتها لكنها تظل أسيرة فكرة أن الحل فردي دائمًا، وهو ما يعقد منطق الجهود الرامية إلى نزع التطرف وجداول الأعمال الأوسع الداعمة لذكورة إيجابية اجتماعيًا، إذ قد تكتفي هذه الجهود بمعالجة الألفاظ من دون مساءلة الأسس الاقتصادية والفكرية الكامنة خلفها، وينبه الباحثون العرب إلى ضرورة ألا ينخدع التحليل النقدي بالمظهر المهذب للخطاب، بل أن يتتبع القيم الضمنية التي يعيد إنتاجها في قضايا العمل والنجاح والهوية، وتصلح مفاهيم الدراسة إطارًا لقراءة الخطابات الشبابية العربية على المنصات الرقمية قراءة تجمع بين تحليل الخطاب ونقد الاقتصاد السياسي للثقافة الرقمية والإنتاج الرمزي للهويات الذكورية
وخلاصة القول إن دراسة مجتمع رواقية ريديت تقدم درسًا منهجيًا ونظريًا مهمًا مفاده أن الفضاءات الرقمية الذكورية لا تختزل في صورة واحدة، فبين السمية الصريحة والسردية المضادة المهذبة مساحة واسعة تستحق الرصد والتحليل، وأن فهم التداخل بين الفلسفة الشعبية والنيوليبرالية والذكورة يثري دراسات الإعلام والثقافة الرقمية، ويمنح الباحثين أدوات أدق لتفسير كيفية تعامل الذكور مع قلقهم وضغوط حياتهم في العصر الرقمي








