تتغير ملامح المرضى الذين يراجعون عيادات طب الأسنان تغيرًا مطردًا مع تقدم السكان في العمر وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، إذ لم يعد المريض النمطي شابًا سليمًا يطلب علاجًا موضعيًا بسيطًا، بل صار في كثير من الحالات شخصًا مسنًا يعاني أمراضًا جهازية متعددة ويتناول أدوية متنوعة ويحتاج إلى عناية خاصة تراعي حالته الصحية العامة، ويفرض هذا التحول الديموغرافي على كليات طب الأسنان إعادة النظر فيما تقدمه لطلابها من إعداد طبي، لأن سلامة المريض السني ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم طبيبه لحالته الجهازية وأدويته وحساسياته
ومن هنا تأتي أهمية رسم خريطة دقيقة للحالة الطبية للمرضى المتعالجين في كليات طب الأسنان اعتمادًا على سجلاتهم الفعلية لا على افتراضات عامة، لأن معرفة نسب انتشار الأمراض الجهازية والأدوية والحساسيات في هذه الفئة تمنح مخططي المناهج أساسًا علميًا لتحديد المعارف والمهارات الطبية التي ينبغي أن يمتلكها خريج طب الأسنان، وتمنح الباحثين في التعليم الطبي مادة غنية لدراسة العلاقة بين التغير السكاني ومتطلبات الكفاءة السريرية عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم السجلات الطبية للمرضى الذين عولجوا في كلية لطب الأسنان من حيث التاريخ المرضي واستخدام الأدوية والحساسيات، للوقوف على المخاطر الطبية المحتملة المرتبطة بتغير البنية السكانية واستخلاص دلالات تفيد تصميم المناهج مستقبلًا، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا حلل سجلات المرضى المعالجين بين نوفمبر 2020 وأكتوبر 2021، واستخرجت منها البيانات الديموغرافية كالعمر والجنس إضافة إلى الحساسيات والاضطرابات الجهازية والأمراض القائمة والأدوية المستخدمة، وصنفت الأمراض وفق التصنيف الدولي للأمراض بينما صنفت الأدوية استنادًا إلى نظام التصنيف التشريحي العلاجي الكيميائي، ثم أجري تحليل إحصائي للعلاقات بين خصائص المرضى وبيانات الانتشار
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شملت البيانات 297 مشاركًا، منهم 142 امرأة بلغ متوسط أعمارهن 55.51 عامًا بانحراف معياري قدره 14.9 عامًا، و155 رجلًا بلغ متوسط أعمارهم 54.91 عامًا بانحراف معياري قدره 15.52 عامًا، وهو ما يعكس ملفًا عمريًا متقدمًا لمرضى الكلية
2، وجدت الدراسة أن الأمراض الجهازية حاضرة لدى 189 فردًا بنسبة 63.6 في المئة من المشاركين، وأن 178 مشاركًا بنسبة 60.1 في المئة كانوا يتناولون أدوية، وأن 138 مشاركًا بنسبة 46.5 في المئة لديهم حساسية واحدة على الأقل، وهو ما يؤكد أن التعقيد الطبي هو السمة الغالبة لا الاستثناء في هذه الفئة
3، لوحظ تعدد الأدوية المتمثل في تناول ثلاثة أدوية فأكثر لدى 28 في المئة من المشاركين وبلغ متوسط أعمار هؤلاء 62.4 عامًا، وازداد استخدام الأدوية وعبء الأمراض ازديادًا دالًا مع التقدم في العمر، إذ بلغت نسبة الأرجحية لأدوية القلب والأوعية الدموية 1.09 لكل سنة إضافية من العمر، بمجال ثقة 95 في المئة يتراوح بين 1.07 و1.12 وبدلالة إحصائية عند مستوى أدنى من 0.001
4، ظهر فرق دال بين الجنسين في استخدام الأدوية الهرمونية، إذ شكلت النساء 68 في المئة من مستخدمي هذه الفئة الدوائية مقابل 32 في المئة للرجال عند مستوى دلالة 0.0012، بما يشير إلى اختلاف أنماط الاحتياج والوصف الدوائي بين الجنسين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن رعاية مرضى الأسنان اليوم تتطلب من الطبيب كفاءة طبية عامة تتجاوز حدود الفم والأسنان، فالمريض المسن متعدد الأمراض والأدوية يحتاج إلى تقييم دقيق للمخاطر قبل أي إجراء وإلى وعي بالتداخلات الدوائية والحساسيات المحتملة، ولهذا تشدد الدراسة على أهمية تزويد طلاب البكالوريوس وطلاب الدراسات العليا على حد سواء بتعليم طبي أكثر شمولًا يعدهم للتعامل الفعال مع المرضى ذوي التعقيد الطبي، وتفيد هذه الدلالة مخططي المناهج في كليات طب الأسنان العربية، إذ يمكنهم الاستناد إلى منهجية رسم الخريطة الطبية هذه لمسح مرضى كلياتهم وبناء مقررات تستجيب للواقع المحلي وتدعم سلامة الممارسة السريرية
وخلاصة القول إن خريطة الحالة الطبية لمرضى كلية طب الأسنان تكشف مجتمعًا علاجيًا متقدمًا في العمر ومثقلًا بالأمراض الجهازية والأدوية والحساسيات، وإن مواءمة المناهج مع هذا الواقع لم تعد خيارًا تطويريًا بل ضرورة لسلامة المرضى وجودة الرعاية








