يتزايد عدد الأطفال متعددي اللغات الملتحقين بمؤسسات التربية والرعاية في الطفولة المبكرة حول العالم، ويتجه الاهتمام تبعًا لذلك إلى كيفية دعم تجارب تعلمهم اللغوي في هذه المؤسسات، ولا سيما في مرحلة الرضاعة المبكرة التي تتشكل فيها الأسس الأولى لاكتساب اللغة، وتتعدد العوامل المؤثرة في جودة المدخلات اللغوية التي يقدمها المربون وكمها وتفاعلاتهم مع الرضع متعددي اللغات، فلا يفسرها عامل منفرد بقدر ما تصنعها منظومة متداخلة من المستويات المترابطة، ومن هنا تقترح هذه المقالة المفاهيمية نموذجًا بيئيًا سلوكيًا جديدًا يفهم هذه المنظومة فهمًا ديناميًا شموليًا يساعد على توجيه البحث والممارسة والسياسات في هذا الميدان المتنامي
ويمثل الرضع دون سن الثانية فئة ذات خصوصية شديدة في بحوث اكتساب اللغة، فتواصلهم يعتمد على الإيماءات والأصوات والاستجابات الوجدانية أكثر من الكلام المكتمل، وتقع مسؤولية إثراء بيئتهم اللغوية على المربين الذين يقرأون إشاراتهم ويستجيبون لها ويوسعونها باستمرار، ويزداد التحدي حين يحمل الرضيع لغتين أو أكثر من بيئته الأسرية فيحتاج إلى مدخلات غنية في كل لغة، ويهتم الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا بهذا المجال لأن كثيرًا من أطفال المنطقة ينشؤون في بيئات متعددة اللغات واللهجات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنت المقالة نموذجها مستلهمة المنظور الثقافي التاريخي لفيجوتسكي ونظرية برونفنبرنر البيئية ونموذج فورد وزملائه البيئي السلوكي لتطور اللغة المبكر ومطورة لها جميعًا، وفحصت عبر تكامل هذه المنظورات النظرية مستويات العوامل المختلفة المؤثرة في جودة مدخلات المربين اللغوية وكمها وتفاعلاتهم مع الرضع متعددي اللغات داخل غرف مؤسسات الطفولة المبكرة، لتقدم في النهاية نموذجًا بيئيًا سلوكيًا من أربعة مستويات يتدرج من التفاعل المباشر داخل الغرفة إلى السياسات المنظمة للتنمية المهنية والتدخلات على مستوى المنظومة الأوسع، بما يربط الممارسة اليومية الدقيقة بالقرارات المؤسسية والسياساتية الكبرى في إطار واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، يركز المستوى الأول من النموذج على جودة تفاعلات المربين مع الرضع متعددي اللغات وكم هذه التفاعلات في الحياة اليومية للمؤسسة
2، يتناول المستوى الثاني معرفة المربين وممارساتهم في دعم التعددية اللغوية داخل مؤسسات التربية والرعاية في الطفولة المبكرة
3، يعنى المستوى الثالث ببيئات دعم تعلم الرضع متعددي اللغات والموارد المتاحة لهذا الدعم داخل المؤسسات وغرفها
4، يتصل المستوى الرابع بالسياسات التي توجه التنمية المهنية للمربين والتدخلات الداعمة للرضع متعددي اللغات في هذه المؤسسات
5، يساعد النموذج على فهم كيفية دعم كم مدخلات المربين اللغوية وجودتها وتفاعلاتهم مع الرضع دون سن الثانية فهمًا ديناميًا شموليًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يمكن أن يستخدم النموذج المقترح في وصف فجوات البحث الراهنة وتحديد اتجاهات مستقبلية للبحث والممارسة والسياسات المتعلقة بدعم الأطفال الصغار متعددي اللغات في مؤسسات الطفولة المبكرة، فهو يلفت نظر صانعي السياسات إلى أن تحسين التفاعل داخل الغرفة لا ينفصل عن إعداد المربين وتأهيلهم وتوفير الموارد وصياغة السياسات، ويدعو الباحثين إلى دراسات تختبر علاقات المستويات الأربعة ميدانيًا وتقيس أثر التدخلات متعددة المستويات في التطور اللغوي الفعلي للرضع، كما يزود قادة المؤسسات بخريطة عملية لتوزيع جهود التحسين على المستويات كافة بدل حصرها في مستوى واحد قد لا يكفي وحده لإحداث الأثر المنشود
وتوجه المستويات الأربعة جهات متعددة في وقت واحد، فالمربون مدعوون إلى تنمية وعيهم بجودة تفاعلاتهم اللغوية اليومية ومراجعتها ذاتيًا، ومؤسسات الإعداد والتدريب مدعوة إلى تضمين التعددية اللغوية مكونًا أصيلًا في برامجها لا إضافة هامشية، وإدارات المؤسسات مدعوة إلى توفير كتب وألعاب وموارد تعكس لغات الأطفال وثقافاتهم، وصانعو السياسات مدعوون إلى مواءمة أطر الجودة والاعتماد مع متطلبات الدعم اللغوي المتعدد، وتظل الحاجة قائمة إلى أدوات ملاحظة وقياس مشتقة من النموذج ودراسات حالة توثق تجارب ناجحة يمكن البناء عليها
وخلاصة القول إن لغة الرضيع متعدد اللغات تنمو في بيئة متكاملة لا في فراغ، وإن النموذج البيئي السلوكي المقترح يمنح الباحثين والممارسين وصانعي السياسات عدسة شاملة لرعاية هذا النمو منذ سنواته الأولى بوعي وتخطيط








