يحقق الطلاب صامدو التحصيل الأكاديمي أداء مرتفعًا رغم ما يواجهونه من حرمان اجتماعي واقتصادي، وقد حظيت هذه الفئة باهتمام بحثي متزايد في السنوات الأخيرة، غير أن التباين الدافعي داخلها ظل غير مدروس بما يكفي، وهو نقص مهم بالنظر إلى الدور المركزي للدافعية في المثابرة والنجاح واستدامتهما، فالافتراض السائد أن التفوق رغم الصعاب يعني حصانة دافعية كاملة قد يخفي مجموعات فرعية تعاني انطفاء الدافعية وتواجه خطر التسرب الصامت، ومن هنا اتجهت هذه الدراسة إلى رسم خريطة دافعية تفصيلية لهذه الفئة على مستوى سكاني واسع مسترشدة بنظرية العزم الذاتي وما تقدمه من تمييز بين أشكال التنظيم وفقدان الدافعية
ويعرف الصمود الأكاديمي بأنه قدرة الطالب على تحقيق نتائج تعليمية مرتفعة رغم تعرضه لعوامل خطر اجتماعية واقتصادية كان يتوقع أن تعيق تحصيله، وقد تطور البحث فيه من دراسة العوامل الحامية العامة إلى فحص الفروق الدقيقة داخل فئة الصامدين أنفسهم، وتأتي نظرية العزم الذاتي إطارًا مناسبًا لهذا الفحص لأنها تميز بين فقدان الدافعية وأشكال متدرجة من التنظيم، ويهتم الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا بهذا المنظور لأنه يساعد على تصميم دعم أدق للطلاب في البيئات محدودة الموارد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
فحصت الدراسة الملامح الدافعية لدى طلاب الصف العاشر صامدي التحصيل الأكاديمي في إيطاليا وبلغ عددهم 15751 طالبًا، واعتمدت مدخلًا متمحورًا حول الشخص هو تحليل الملامح الكامنة لتصنيف الطلاب إلى أنماط دافعية متمايزة وفق مستويات فقدان الدافعية وأشكال التنظيم المختلفة التي تنظمها نظرية العزم الذاتي، كما أجرت الدراسة تحليلات مساعدة قارنت بين الملامح المستخرجة في نوايا التسرب المدرسي للكشف عن الفروق ذات الدلالة العملية بين الأنماط الدافعية المختلفة داخل فئة الصامدين أكاديميًا، وللتحقق من أن التفوق الظاهر لا يلغي الحاجة إلى دعم دافعي مخصص لبعض المجموعات الفرعية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حدد تحليل الملامح الكامنة ثلاثة ملامح دافعية متميزة داخل فئة الطلاب صامدي التحصيل الأكاديمي رغم الحرمان
2، ضم الملمح الأول المسمى صامدي التنظيم متعدد الأوجه نسبة 72 في المئة من الطلاب، وتميز بانخفاض فقدان الدافعية وارتفاع جميع أشكال التنظيم معًا
3، ضم الملمح الثاني المسمى الصامدين متوسطي فقدان الدافعية نسبة 21 في المئة، واتسم بارتفاع فقدان الدافعية وانخفاض مستويات التنظيم
4، ضم الملمح الثالث المسمى الصامدين شديدي فقدان الدافعية نسبة 7 في المئة فقط، لكنه سجل أعلى مستويات فقدان الدافعية وأدنى مستويات التنظيم
5، أظهرت التحليلات المساعدة أن الملمحين المفتقدين للدافعية، ولا سيما الملمح شديد الفقدان، سجلا نوايا تسرب مدرسي أعلى من ملمح التنظيم متعدد الأوجه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتحدى هذه النتائج الافتراض القائل إن الصمود الأكاديمي كاف لحماية الطلاب من الانفصال الدافعي وخطر التسرب، فالتحصيل المرتفع لا ينبغي أن يؤخذ دليلًا قاطعًا على غياب المشكلات الدافعية، ويبرز فقدان الدافعية عامل خطر مركزيًا يستحق الرصد المبكر حتى لدى المتفوقين أنفسهم، وتدعو الدراسة إلى تجاوز المدخل الموحد الذي يعامل الصامدين كتلة متجانسة واحدة، نحو دعم مخصص يراعي خصوصية كل مجموعة فرعية ويستهدف المجموعات الهشة دافعيًا بتدخلات نفسية وتربوية ملائمة، ويمكن لصانعي السياسات والمرشدين المدرسيين توظيف تصنيف الملامح في بناء أنظمة إنذار مبكر وتوجيه موارد الدعم حيث تشتد الحاجة فعليًا
وعلى مستوى الممارسة المدرسية، تشير النتائج إلى ضرورة ألا تخدع الدرجات المرتفعة فرق الإرشاد فتستبعد أصحابها من خدمات الدعم النفسي والدافعي، فالمجموعات المفتقدة للدافعية قد تتسرب بصمت رغم تفوقها الظاهر، ويمكن للمدارس بناء استبانات مسحية قصيرة لقياس الدافعية دوريًا وتصميم تدخلات متمايزة تشمل الإرشاد الفردي وأنشطة بناء المعنى والانتماء المدرسي ودعم الكفاية المدركة، وتدعو الدراسة إلى بحوث طولية تتبع مصير الملامح الدافعية عبر المراحل الدراسية اللاحقة وعلاقتها بالالتحاق الجامعي واستمراره
وخلاصة القول إن وراء صورة التفوق رغم الحرمان تنوعًا دافعيًا حقيقيًا، وإن نسبة غير قليلة من الطلاب الصامدين أكاديميًا تحمل هشاشة دافعية صامتة، والانتباه المبكر إليها شرط لاستدامة نجاحهم لا مجرد انطلاقه








