تدعو إصلاحات المناهج المعاصرة إلى تحول جذري في كيفية إجراء المعلمين للتقويم داخل الفصول الدراسية، من تقويم ختامي محصور في الاختبارات إلى تقويم تكويني مستمر يدعم التعلم ويوجهه، غير أن هذا التحول المنشود يصطدم بواقع ممارسات المعلمين الفعلية وبحدود كفايتهم في توظيف أساليب التقويم المتنوعة والمتكاملة والأصيلة، فبين خطاب الإصلاح وممارسة الفصل فجوة لا ترصدها إلا دراسات ميدانية تنزل إلى المدارس وتستمع إلى المعلمين أنفسهم، وهو ما يجعل استجواب ممارسات التقويم وكفاءته موضوعًا ذا أولوية لبرامج إعداد المعلمين قبل الخدمة وأثناءها
وتقدم هذه الدراسة تقريرًا عن بحث ميداني أجري عام 2024 لاستجواب ممارسات المعلمين في التقويم وكفاءتهم في التقويم الصفي بمقاطعة توركانا في كينيا، مستخدمة تصميم دراسة الحالة المتعددة، ونتائجها تصلح مرآة لأنظمة تعليمية كثيرة، ومنها أنظمة عربية، تواجه التحدي ذاته في الانتقال بمناهجها نحو تقويم قائم على الكفايات، إذ تكشف الدراسة أين تتركز الفجوات بدقة، في المعرفة النظرية أم في التطبيق الموثق والمنظم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استجواب ممارسات المعلمين في التقويم وكفاءتهم في التقويم الصفي، واعتمدت منهجية بحث نوعي وتصميم دراسة حالة متعددة، وتكون مجتمعها من معلمي الصف الرابع في مقاطعة توركانا الكينية، واختارت بالعينة القصدية تسع مدارس حكومية للمشاركة، وشارك في كل مدرسة معلم واحد اختير بأسلوب العينة الملائمة، فبلغ مجموع المعلمين المشاركين تسعة معلمين، وولدت البيانات باستخدام المقابلات، وحللت استقرائيًا بالأسلوب المؤسس الذي يبني الفئات والموضوعات من البيانات ذاتها لا من أطر جاهزة مسبقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، توصلت الدراسة إلى أن التمارين الصفية والأسئلة الشفوية والملاحظات هي ممارسات التقويم الأكثر استخدامًا لدى المعلمين، وهي ممارسات تقليدية في مجملها تعتمد على ما يتاح داخل الحصة دون تنويع منهجي مقصود لأدوات التقويم
2، فيما يتصل بكفاية المعلمين في التقويم، وجدت الدراسة أن المعلمين يطبقون بمهارة تقنيات التقويم النظرية، فالمعرفة الأساسية بأساليب التقويم حاضرة لديهم وقادرة على التوجيه العام لممارساتهم اليومية
3، في الحالات القليلة التي استخدم فيها المعلمون أدوات تقويم متنوعة وتقنيات تقويم متكاملة وأصيلة، ظلت عملية التقويم غير موحدة وغير مسجلة وغير مبلغة، وهو ما يفرغ التنويع من قيمته التوثيقية والتراكمية ويحول دون الاستفادة منه في متابعة تعلم التلاميذ
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى وجود حاجة إلى تدريب مطول على منهج الكفايات حتى يألف المعلمون مهارات التقويم اللازمة لممارسة تقويم صفي فعال، وتفيد نتائجها برامج إعداد المعلمين على مستويي ما قبل الخدمة وأثناء الخدمة، إذ تبين أن المشكلة ليست جهلًا بالتقنيات بل غياب التوحيد والتسجيل والإبلاغ، ويمكن لأنظمة تعليم عربية تعمل على مناهج قائمة على الكفايات أن تستفيد من هذا التشخيص بتركيز تدريبها على بناء سجلات تقويم منتظمة وربطها بقرارات تعليمية، بدل الاكتفاء بدورات نظرية قصيرة لا تترك أثرًا في ممارسة الفصل اليومية
وتخاطب هذه الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في المناهج وتقويم التعلم لأن تحدياتها مألوفة في مدارس كثيرة تتبنى مناهج قائمة على الكفايات، إذ يظهر فيها المعلم ملمًا بنظريات التقويم لكنه محكوم بضغط الحصص وغياب نماذج التسجيل الموحدة وضعف المتابعة، ويدعو تشخيصها إدارات التطوير المهني إلى تجاوز الدورات القصيرة نحو مجتمعات تعلم مهنية داخل المدارس يتبادل فيها المعلمون أدوات التقويم وسجلاته ويراجعون ممارساتهم جماعيًا، كما يلفت مصممي السياسات إلى أن نجاح إصلاح التقويم يقاس بما يسجل ويبلغ ويستخدم في تحسين تعلم التلاميذ، لا بما يعلن من أساليب حديثة في الوثائق الرسمية وحدها
وتفتح الدراسة كذلك بابًا لدراسات مقارنة بين المقاطعات والبلدان التي تتبنى مناهج الكفايات، فإذا تكرر نمط إجادة النظرية وضعف التوثيق في سياقات متعددة صار تشخيصًا بنيويًا لطبيعة إصلاح التقويم لا قصورًا فرديًا لدى معلمين بعينهم
وخلاصة القول إن المعلمين في هذه الدراسة يمتلكون أساسًا نظريًا جيدًا في التقويم لكنه لا يتحول إلى منظومة موثقة ومنتظمة داخل الفصل، وسد هذه الفجوة يتطلب تدريبًا مطولًا ومتابعة ميدانية لا توصيات عامة عابرة








