تتطلب أبحاث تجميع الأدلة، كالمراجعات الأدبية والمنهجية، عناية خاصة بمنهجيات البحث واستراتيجيات البحث الببليوغرافي وإرشادات الإبلاغ العلمي، وهي جوانب يمتلك فيها أخصائيو المكتبات والمعلومات خبرة مهنية عميقة قد لا تتوافر لدى المحكمين المتخصصين في الموضوع وحدهم، ومن هنا برزت فكرة الاستعانة بهم محكمين منهجيين إلى جانب محكمي الموضوع في عملية تحكيم الأقران
وتكتسب هذه الفكرة أهمية متزايدة مع تنامي عدد المراجعات المنشورة وحرص المجلات على سلامة منهجياتها، إذ قد تمر أخطاء في استراتيجية البحث أو في الالتزام بإرشادات الإبلاغ دون أن ينتبه لها محكمو الموضوع، وتعرض هذه الدراسة تجربة مجلة دولية في حوكمة الصحة استعانت بأخصائيي مكتبات محكمين منهجيين، محللة أثر ذلك في قرارات التحرير وجودة المخطوطات، بما يفيد محرري المجلات والباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في مجال منهجيات البحث
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أثر إشراك أخصائيي المكتبات والمعلومات محكمين منهجيين في تحكيم الأقران، من حيث اختلاف تعليقاتهم عن تعليقات محكمي الموضوع، ومدى تنفيذ المؤلفين لتوصيات كل فريق، وأثر ذلك في قرارات المحررين، وتصورات الأخصائيين والمؤلفين لجدوى هذا النوع من التحكيم
واعتمدت الدراسة منهجًا مختلطًا في دراسة حالة لمجلة دولية متخصصة في حوكمة الصحة، إذ أجرت تحليلًا نوعيًا لتقارير المحكمين وردود المؤلفين وقرارات المحررين بشأن 13 مراجعة أدبية قُدمت بين سبتمبر 2020 ومارس 2023، وصنف التحليل المحتوى في 16 مجالًا موضوعيًا شملت مجالات التحكيم المعتادة ومجالات منهجية متعمقة كاستراتيجية البحث وإرشادات الإبلاغ، وجُمعت 55 تقرير تحكيم منها 25 تقريرًا منهجيًا و30 تقريرًا موضوعيًا بمتوسط 4.2 تقريرًا للمخطوطة الواحدة، كما أجري استبيانان إلكترونيان أحدهما للمحكمين المنهجيين والآخر للمؤلفين المنشورين
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قدّم المحكمون المنهجيون تعليقات أكثر على القضايا المنهجية مقارنة بمحكمي الموضوع، وهو ما يعكس القيمة المضافة لخبرتهم المتخصصة في استراتيجيات البحث ومنهجيات تجميع الأدلة وإرشادات الإبلاغ عنها
2، كان المؤلفون أكثر ميلًا إلى تنفيذ التعديلات التي اقترحها المحكمون المنهجيون، إذ نفذوا 52 من أصل 65 تغييرًا مقترحًا، مقارنة بتنفيذ 51 من أصل 82 تغييرًا اقترحه محكمو الموضوع
3، مال المحكمون المنهجيون إلى رفض المخطوطات بصورة أكبر، إذ أوصوا بالرفض سبع مرات مقابل أربع مرات لمحكمي الموضوع، وحين اختلفت التوصيات المقدمة للمحررين رجح المحررون توصيات المحكمين المنهجيين تسع مرات مقابل ثلاث مرات
4، أظهرت الاستبيانات أن أربعة من سبعة مؤلفين وجدوا التعليقات على المنهجيات مفيدة، وبلغت نسبة استجابة المؤلفين 87.5 في المئة، بينما أعرب أخصائيو المكتبات الذين مارسوا التحكيم، بنسبة استجابة 66.5 في المئة، عن شعورهم بأن تحكيمهم حسّن جودة المنشورات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن أخصائيي المكتبات والمعلومات يستطيعون الارتقاء بمنشورات تجميع الأدلة عبر التحقق من سلامة المنهجيات ودقة الإبلاغ عنها، وأن توصياتهم تساعد المؤلفين على تنقيح مخطوطاتهم وتسهل على المحررين اتخاذ قراراتهم، ومن التطبيقات العملية لذلك أن تعتمد المجلات التي تنشر المراجعات المنهجية قوائم محكمين منهجيين متخصصين، وأن تستثمر مكتبات الجامعات العربية هذه الخبرة بتأهيل أخصائييها لأدوار التحكيم والاستشارات المنهجية للباحثين، كما تقترح الدراسة بحث إمكانية إطلاع محكمي الموضوع والمحررين على تقارير التحكيم المنهجي بما يعمق فهم الجميع لمنهجيات تجميع الأدلة
ويأتي هذا الاهتمام في سياق أزمة أوسع تتعلق بجودة المراجعات المنهجية، إذ يتزايد نشر مراجعات تعاني قصورًا في استراتيجيات البحث أو في الإبلاغ عن خطواتها بما يصعب التحقق من نتائجها أو إعادة إنتاجها، ومن ثم فإن ترسيخ التحكيم المنهجي يخدم منظومة الأدلة العلمية كلها لا المجلة المعنية وحدها، كما يعزز مكانة أخصائيي المكتبات بوصفهم شركاء في إنتاج المعرفة لا مقدمي خدمات مساندة فحسب، ويمنح طلاب الدراسات العليا نموذجًا للتعاون بين التخصصات يمكن محاكاته في فرق البحث التي تجمع بين المتخصص الموضوعي وخبير المنهجية منذ مرحلة تصميم الدراسة لا عند التحكيم فقط
وخلاصة القول إن إشراك أخصائيي المكتبات والمعلومات محكمين منهجيين تجربة أثبتت جدواها في تحسين جودة المراجعات الأدبية ودعم القرار التحريري، وتفتح مجالًا واعدًا لتوسيع مفهوم تحكيم الأقران بحيث يشمل الخبرة المنهجية إلى جانب الخبرة الموضوعية








