تُعد المعالم الطبيعية والمتنزهات العامة من أبرز الوجهات التي يقصدها الزوار طلبًا للاستجمام والتواصل مع الطبيعة، وتتوقف استدامة هذه الوجهات على رضا زوارها وولائهم لها واستعدادهم لدعم جهود الحفاظ على مواردها الطبيعية، وقد أحدثت جائحة كورونا تحولات عميقة في سلوك الزوار وتصوراتهم وتوقعاتهم من الخدمات المقدمة في هذه الأماكن، إذ غيّرت الجائحة أنماط التنقل والترفيه وفرضت قيودًا صحية واجتماعية استمر أثرها حتى بعد انحسارها
ومع أهمية هذا الموضوع لإدارات المناطق المحمية وصناع السياسات السياحية، ظلت الأدلة التي تقارن تصورات الزوار قبل الجائحة وبعدها محدودة، ولا سيما الدراسات التي تعتمد عينات مستقلة مأخوذة من المجتمع المستهدف نفسه، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تقدم مقارنة منهجية بين مرحلتين زمنيتين مختلفتين في متنزهات ولاية فلوريدا، بما يفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بإدارة الوجهات الطبيعية وسلوك الزوار في أوقات الأزمات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر جائحة كورونا في تصورات زوار المعالم الطبيعية، وتحديدًا تقييماتهم لخدمات المتنزهات ومرافقها، واتجاهاتهم نحو الحفاظ على البيئة، واستعدادهم لإعادة الزيارة، مع اختبار العلاقات المتبادلة بين هذه المتغيرات قبل الجائحة وبعدها
واعتمدت الدراسة على بيانات مسحية جُمعت من زوار متنزهات ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ بلغ عدد الاستبانات الصالحة 1109 استبانات في مرحلة ما قبل الجائحة خلال عامي 2018 و2019، و1028 استبانة في مرحلة ما بعد الجائحة خلال عامي 2022 و2023، واستخدم الباحثون نمذجة المعادلات البنائية لاختبار العلاقات بين تقييمات الزوار للخدمات والمرافق واتجاهات الحفاظ على البيئة والرغبة في إعادة الزيارة، مع فحص الدور الوسيط للتحسينات المدركة في جهود الحفاظ على الطبيعة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج انخفاض مستويات رضا الزوار عن معظم الخدمات والمرافق في عينة ما بعد الجائحة مقارنة بعينة ما قبلها، وهو ما يشير إلى أن توقعات الزوار أو تجاربهم الفعلية قد تغيرت بعد الجائحة بصورة جعلت تقييماتهم أكثر تحفظًا
2، بينت الدراسة أن مدة الزيارات أصبحت أقصر في مرحلة ما بعد الجائحة، وفي المقابل ارتفعت نسبة الزوار المتكررين الذين يزورون المتنزهات بصورة متواترة ضمن العينة اللاحقة للجائحة
3، كشف النموذج البنائي أن أثر تقييمات الخدمات والمرافق في الاستعداد لإعادة الزيارة أثر غير مباشر، إذ تعمل التحسينات المدركة في جهود الحفاظ على البيئة متغيرًا وسيطًا دالًا في هذه العلاقة، فلا يكفي تحسين الخدمة وحده ما لم يدرك الزائر أنه يخدم حماية الموارد الطبيعية
4، تشير النتائج مجتمعة إلى أن ولاء الزوار للوجهات الطبيعية يرتبط بدرجة إدراكهم لمساهمة الاستثمارات في الخدمات والبنية التحتية في الحفاظ على الموارد الطبيعية، أكثر من ارتباطه بمستوى الخدمة في ذاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمديري الوجهات الطبيعية وصناع السياسات في المناطق المحمية، إذ تدعو إلى توجيه الاستثمارات في الخدمات والبنية التحتية بصورة تبرز أثرها في الحفاظ على البيئة وتشرك الزوار في فهم هذا الأثر، فحين يرى الزائر أن رسوم الدخول وتحسين المرافق ينعكسان صيانة للموائل الطبيعية وحماية للتنوع الحيوي يتعزز رضاه وولاؤه واستعداده للعودة، كما تفيد النتائج في فهم التحولات السلوكية بعد الأزمات الصحية الكبرى، ومنها قصر مدة الزيارة وازدياد الزيارات المتكررة من الجمهور القريب، وهو ما يستدعي إعادة تصميم البرامج والأنشطة بما يناسب هذه الأنماط الجديدة
وتتصل هذه الدراسة بحقل متنام من الأدبيات حول سياحة ما بعد الأزمات وإدارة الوجهات في ظل عدم اليقين، إذ لم تعد عودة الزوار إلى مستويات ما قبل الجائحة أمرًا مسلمًا به، بل أصبحت مشروطة بجودة التجربة ووضوح الرسائل البيئية، كما تفتح الدراسة المجال أمام بحوث عربية مماثلة تقارن تصورات زوار المحميات والمتنزهات الوطنية في المنطقة العربية قبل الجوائح والأزمات وبعدها، بما يثري فهم صانعي القرار لسلوك الطلب السياحي المحلي والإقليمي ويعينهم على بناء وجهات أكثر مرونة واستدامة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا مقارنًا نادرًا على تغير تصورات زوار المعالم الطبيعية بين مرحلتي ما قبل جائحة كورونا وما بعدها، وتبرز أن الطريق إلى ولاء الزوار يمر عبر ربط جودة الخدمة بجهود الحفاظ على البيئة في أذهانهم، وهي رسالة عملية لكل من يدير وجهة طبيعية أو يخطط لتنميتها بصورة مستدامة








