تحتاج أنظمة نماذج اللغة الكبيرة متعددة الخبراء إلى توزيع طلبات المستخدمين ديناميكيًا بين خبراء مرشحين متعددين بما يرفع دقة الاستدلال وكفاءة النظام في سيناريوهات المهام المعقدة، فليست جميع النماذج الخبيرة متساوية القدرة في جميع أنواع الأسئلة، غير أن أساليب التوجيه القائمة تعاني من اعتمادها على قواعد يدوية هشة، أو على حدود تمييز موحدة لا تراعي اختلاف قدرات الخبراء، أو على بيانات مشروحة واسعة النطاق مكلفة الإنتاج، فضلًا عن ارتفاع كلفة صيانتها حين يتوسع النظام بإضافة خبراء جدد يستدعي قدومهم إعادة بناء قواعد التوجيه أو إعادة تدريبه من الصفر
ومن هنا تبرز جاذبية منهجيات التوجيه التي تتعلم بصمة كل خبير من تاريخ نجاحاته الفعلية لا من افتراضات مصممي النظام، فتصف قدرة كل نموذج بما أثبته عمليًا من معالجة ناجحة لطلبات سابقة، وتتحول عندها مسألة التوجيه إلى مسألة مطابقة بين الطلب الجديد وبصمات الخبراء المتراكمة، وهو منظور يجعل النظام قابلًا للتوسع والتفسير معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اقترحت الدراسة منهجية لتوجيه الخبراء أطلقت عليها اسم بي جي إم إم إل إس إي قائمة على نمذجة التوزيع الدلالي للعينات الإيجابية، إذ تبني المنهجية مجموعة العينات الإيجابية لكل خبير مرشح باستخدام الطلبات التي عالجها ذلك الخبير بنجاح تاريخيًا فقط، ثم تحوّل الطلبات إلى متجهات دلالية كثيفة عبر نموذج مدرب مسبقًا لاستخراج سمات النصوص
وبعد ذلك يُدرَّب نموذج خلائط غاوسية بايزي لكل خبير على حدة ليصف توزيع قدرة ذلك الخبير على طلباته الناجحة في الفضاء الدلالي، وأثناء الاستدلال المباشر يُرمّز الطلب المستهدف إلى متجه سمات، وتُحسب له درجة اللوغاريتم الاحتمالي جامعًا بين معاملات المكونات الغاوسية المحتفظ بها ومصفوفة التباين المشتركة المنعّمة لكل خبير، ثم تُستخدم دالة اللوغاريتم لمجموع الأسيات في تجميع مساهمات الاحتمالية من المكونات المختلفة، ليُوجَّه الطلب في النهاية إلى النموذج أو النماذج الخبيرة صاحبة الدرجة الأعلى
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قُيّمت المنهجية على سبع مهام متنوعة شملت الرياضيات ومهمة جي إس إم الرمزية ومهمتي هيومان إيفال وإم بي بي بي لتوليد الشيفرات البرمجية ومقياس إم إم إل يو للفهم متعدد المهام ومسائل مسابقات إيه آي إم إي الممتدة من عام 1983 إلى عام 2025 ومهمة هيلا سواغ للفهم الاستدلالي، وحققت المنهجية دقة توجيه متوسطة بلغت 86.25 في المئة عبر هذه المهام
2، أظهرت النتائج التجريبية أن المنهجية قادرة على توفير قدرات توزيع مستقرة للطلبات في أنظمة نماذج اللغة الكبيرة متعددة الخبراء، إذ تستند قراراتها إلى توزيعات احتمالية مقدرة من بيانات نجاح حقيقية لا إلى قواعد اعتباطية، وهو ما يمنح التوجيه اتساقًا قابلًا للقياس والمقارنة
3، حافظت المنهجية أثناء تحقيقها هذا الأداء على قابلية التفسير وقابلية التوسع، فكل قرار توجيه يمكن ردّه إلى درجات احتمالية مفهومة لكل خبير، وإضافة خبير جديد لا تتطلب سوى بناء مجموعته الإيجابية وتدريب نموذجه الغاوسي الخاص دون المساس ببقية النظام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة هذا العمل في إعادة تعريف مشكلة التوجيه بوصفها مشكلة نمذجة توزيعات لا تصنيفًا حدوديًا، فبدل السؤال عن الحد الفاصل بين الخبراء تسأل المنهجية عن مدى انتماء الطلب الجديد إلى منطقة نجاح كل خبير، وهو تحوّل مفاهيمي يفتح الباب لتقدير عدم اليقين في قرارات التوجيه وللتوجيه المشترك إلى أكثر من خبير عند تقارب الدرجات، بما يثري تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي المركبة
وتفيد هذه الرؤية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في هندسة أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن تطبيقها في منصات عربية تجمع نماذج متخصصة في اللغة والقانون والطب والبرمجة، كما تصلح أساسًا لدراسات مقارنة بين نمذجة التوزيعات وأساليب التوجيه بالتصنيف المباشر أو بالتوجيه المعتمد على النموذج نفسه حكمًا
وخلاصة القول إن توجيه الطلبات إلى الخبير الأنسب هو عقل النظام متعدد الخبراء وقلبه النابض، وإن منهجية نمذجة التوزيع الدلالي للنجاحات السابقة تقدم حلًا أنيقًا يجمع بين الدقة والاستقرار وقابلية التفسير والتوسع، بما يجعلها مرشحًا قويًا للبنى التحتية الذكية التي تتكاثر فيها النماذج المتخصصة يومًا بعد يوم








