تُعد الأضرار التي تلحق بالمرضى أثناء تلقيهم الرعاية الصحية مشكلة خطيرة في الخدمات الصحية حول العالم، إذ تقع أحداث عكسية وكادت أن تقع أحداث أخرى في بيئات سريرية معقدة تتشابك فيها العوامل البشرية والتنظيمية والتقنية، وتتيح الأساليب والتقنيات الحديثة فرصًا جديدة لالتقاط خبرات الطلاب أثناء ممارساتهم السريرية في لحظتها، فتقدم صورة أقرب إلى الواقع من تلك التي توفرها الاستبانات اللاحقة المعتمدة على الذاكرة وحدها
ويكتسب استكشاف خبرات طلاب ماجستير التمريض أهمية خاصة لأن هؤلاء الطلاب يتدربون في تخصصات دقيقة عالية الخطورة مثل تخدير التمريض وتمريض العناية الحرجة وتمريض غرف العمليات، حيث تكون هوامش الخطأ ضيقة والنتائج المترتبة على أي خلل في السلامة جسيمة، كما أن فهم تأملاتهم حول قضايا سلامة المرضى قد يوفر رؤى مهمة لتطوير التعليم السريري وبناء ثقافة سلامة راسخة لدى الممارسين المستقبليين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف خبرات طلاب ماجستير التمريض وتأملاتهم حول قضايا سلامة المرضى والأحداث العكسية أثناء ممارساتهم السريرية وبعدها، واعتمدت تصميمًا مختلط الأساليب من النوع المتقارب، وظفت فيه أسلوب التقييم اللحظي البيئي الذي يجمع بين تقييمات كمية لست عبارات تتعلق بسلامة المرضى على مقاييس ليكرت من درجة واحدة إلى خمس درجات، وبين تأملات نصية حرة يكتبها الطلاب أثناء التدريب السريري، ثم مقابلات أُجريت معهم بعد انتهاء فترة التدريب
وشارك في التقييم اللحظي ستة عشر طالبًا من طلاب ماجستير التمريض موزعين على تخصصات التخدير بواقع تسعة طلاب، والعناية الحرجة بواقع خمسة طلاب، وتمريض غرف العمليات بواقع طالبين، وذلك على مدى أربعة عشر يومًا، وأسفرت المتابعة عن 105 استجابات لحظية، ودُعي جميع الطلاب إلى المقابلات اللاحقة فقبل منهم عشرة، وجُمع بين تحليل البيانات الكمية والتحليل الموضوعاتي للبيانات النوعية للوصول إلى صورة متكاملة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت البيانات الكمية أن الطلاب اعتبروا ممارساتهم السريرية في مجملها آمنة للمرضى، إذ بلغ متوسط عبارات الملاحظة 2.5 ومتوسط المناقشة 4.6 ومتوسط التجنب 2.5 ومتوسط الخبرة المباشرة بالأحداث 2.0 ومتوسط العمل الآمن 4.6، بينما لم يتجاوز متوسط الشعور بتهديد السلامة 1.4 على المقياس الخماسي
2، على الرغم من هذه الصورة العامة المطمئنة، قدم الطلاب في تأملاتهم روايات عن أحداث عرضت سلامة المرضى للخطر أو كادت تعرضها له، وهو ما يؤكد أن الأحداث العكسية والأحداث الوشيكة تقع فعلًا حتى في البيئات التي تبدو آمنة، وأن رصدها يتطلب أدوات حساسة قريبة من لحظة وقوعها
3، أسفر تحليل تأملات الطلاب أثناء التدريب عن ثلاثة موضوعات رئيسة هي الأحداث العكسية أو الأحداث الوشيكة الوقوع، والتواصل والتفاعلات داخل الفريق الصحي، واستخدام إجراءات الأمن والسلامة المقررة في بيئة العمل
4، أشارت المقابلات اللاحقة إلى أن المشاركة في جمع البيانات اليومي بأسلوب التقييم اللحظي زادت وعي الطلاب بقضايا سلامة المرضى، وبالأحداث العكسية والأحداث الوشيكة والأمور التي تسير على ما يرام في الممارسة اليومية على حد سواء، وهو ما يرشح هذا الأسلوب أداة تأمل فعالة في التعليم السريري
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الأحداث العكسية والأحداث الوشيكة التي رُصدت قليلة نسبيًا، غير أن حدوثها أصلًا يستدعي معالجتها تعليميًا وتنظيميًا، وتقترح أن يكون أسلوب التقييم اللحظي البيئي أداة مفيدة للتأمل في سلامة المرضى لدى طلاب ماجستير التمريض وغيرهم من طلاب المهن الصحية، إذ يحول الملاحظة اليومية إلى فرصة تعلم مستمرة ويرفع حساسية المتدرب لمؤشرات الخطر قبل تحولها إلى أضرار فعلية
وتفتح الدراسة آفاقًا رحبة أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التمريض وإدارة الجودة الصحية، إذ يمكن توظيف الأساليب اللحظية الرقمية في تقويم التدريب السريري في المستشفيات الجامعية العربية، وبناء برامج تأمل منهجية تربط بين التعليم وسلامة المرضى، ودراسة الفروق بين التخصصات والبيئات السريرية المختلفة في أنماط الأحداث المرصودة وسبل الوقاية منها
وخلاصة القول إن سلامة المرضى ثقافة تُبنى بالممارسة التأملية اليومية قبل أن تكون مجموعة إجراءات مكتوبة، وإن تجربة الطلاب في هذه الدراسة تبين أن أدوات بسيطة قريبة من لحظة الحدث قادرة على رفع الوعي وتحويل كل يوم سريري إلى درس في السلامة، وهو ما يستحق أن تجد له المناهج العربية مكانًا واضحًا








