يعد الاحتراق المهني والحضور المرضي، أي حضور الموظف إلى عمله وممارسته مهامه رغم مرضه، من أبرز مشكلات الصحة المهنية التي تهدد استقرار قوة العمل التمريضية وجودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى، ويعتقد أن الدعم الاجتماعي مرتبط بكلا الظاهرتين ارتباطًا وثيقًا، غير أن أنماط الارتباط على مستوى الأعراض والبنود المفردة بين هذه البنى الثلاث ما تزال غير واضحة بما يكفي لتوجيه التدخلات الدقيقة، ويوفر تحليل الشبكة منهجًا حديثًا يرسم خريطة العلاقات المتبادلة بين الأعراض ويحدد العقد الأكثر مركزية وتأثيرًا داخل البنية الكلية، وتتناول هذه الدراسة البنية الارتباطية وخصائص العقد في شبكة تجمع الاحتراق المهني والحضور المرضي والدعم الاجتماعي لدى ممرضات الأطفال باستخدام هذا المنهج المتقدم
وتهم الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التمريض والصحة المهنية وعلم النفس الصحي، لأنها تقدم نموذجًا تطبيقيًا لتوظيف تحليل الشبكة في فهم مشكلات مهنية معقدة وتحديد نقاط التدخل الأعلى أولوية بدل التعامل مع الدرجات الكلية وحدها، وهو ما يمكن الإفادة منه في دراسة بيئات العمل الصحية العربية وتطوير برامج وقائية وعلاجية موجهة بدقة نحو الأعراض المركزية المؤثرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الارتباطات البنيوية وخصائص العقد بين الاحتراق المهني والحضور المرضي والدعم الاجتماعي استكشافًا منهجيًا قائمًا على تحليل الشبكة، وأجرى الباحثون مسحًا بالاستبانات لدى ممرضات الأطفال في مدينة تشونغتشينغ بجنوب غربي الصين بأسلوب العينة الملائمة، فحصلوا على 876 عينة صالحة للتحليل، وبنوا نموذجًا غاوسيًا بيانيًا استنادًا إلى مصفوفة ارتباطات سبيرمان، وقدرت شبكة الارتباط الجزئي المنتظمة بخوارزمية متخصصة لاختيار النموذج الأمثل، وحسبت مؤشرات المركزية شاملة القوة والجسرية والقرب والتأثير المتوقع باستخدام برمجية آر الإحصائية، كما قومت دقة أوزان الحواف واستقرار مقاييس المركزية عبر 1000 عينة من عينات إعادة المعاينة غير المعلمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج تحليل الشبكة خريطة غنية بالعلاقات بين مكونات الدراسة يمكن إجمال أبرزها في النقاط الآتية
1، ارتبط الحضور المرضي ارتباطًا إيجابيًا بالاحتراق المهني بمعامل بلغ 0.433، بينما ارتبط الدعم الاجتماعي ارتباطًا سلبيًا بالاحتراق بمعامل بلغ سالب 0.361 وبالحضور المرضي بمعامل بلغ سالب 0.179، وكانت جميع هذه الارتباطات دالة إحصائيًا عند مستوى أدنى من 0.05
2، بلغ أقوى وزن حافة في بنية الشبكة 0.72، وداخل وحدة الاحتراق أظهر أحد بنود الإنهاك ارتباطًا قويًا ببند آخر من البعد نفسه وارتبط ببند تبدد الشخصية، بما يدل على أن الإنهاك العاطفي يحتل موقعًا جوهريًا في قلب الشبكة كلها
3، أظهر تحليل المركزية أن البنود الأكثر تأثيرًا في مؤشر القوة سجلت قيمًا بلغت 1.173 و1.122 و1.112 على الترتيب، بينما سجل بندان أعلى قيم الجسرية عند 97 فأديا بذلك أدوار ربط وتوصيل بين مكونات الشبكة المختلفة
4، أظهرت نتائج إعادة المعاينة فواصل ثقة ضيقة لأوزان الحواف، وحافظ مؤشر القوة على ارتباطات تجاوزت 0.70 عند الاحتفاظ بنسبة 50 في المئة من العينة، بما يشير إلى استقرار مقبول للنتائج المتعلقة بالقوة في حدود هذه العينة تحديدًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف النتائج عن علاقات تفاعلية متبادلة بين الاحتراق والحضور المرضي والدعم الاجتماعي لدى ممرضات الأطفال، إذ تبدو بنود الإنهاك العاطفي عقدًا صلة تربط بين تبدد الشخصية والحضور المرضي، بينما تؤدي موارد الدعم المرتبطة بالأسرة وبالحالات الطارئة أدوارًا داخل وحدة الدعم الاجتماعي، ويوفر تحديد هذه العقد ذات الصلة مرجعًا عمليًا لتصميم تدخلات الصحة المهنية الموجهة نحو الأعراض المركزية وبرامج الدعم النفسي والاجتماعي لطواقم التمريض، ويفيد مخططي الخدمات الصحية في توجيه الموارد المحدودة نحو النقاط الأعلى أثرًا في كسر حلقات الاحتراق المتصلة
وخلاصة القول إن تحليل الشبكة قدم صورة دقيقة على مستوى البنود لكيفية ترابط الاحتراق والحضور المرضي والدعم الاجتماعي لدى ممرضات الأطفال، وأبرز الإنهاك العاطفي بوصفه عقدة محورية تستحق الأولوية في التدخلات الوقائية والعلاجية الهادفة إلى تعزيز الصحة المهنية واستقرار قوة العمل التمريضية








