في ظل دفع تعليم الهندسة الناشئ وإصلاح التعليم الأساسي، أصبحت تنمية الثقافة الهندسية لدى المعلمين قبل الخدمة أمرًا حيويًا لتربية المواهب المبتكرة، فالمعلم الذي يمتلك تفكيرًا هندسيًا وقدرة على تحويله إلى تعليم صفي فاعل يستطيع أن يغرس لدى تلاميذه بذور الابتكار وحل المشكلات التطبيقية منذ المراحل المبكرة
غير أن الممارسات الراهنة في جامعات إعداد المعلمين تواجه مآزق متعددة تعيق تحقيق هذا الهدف، وتسعى هذه الدراسة إلى تشخيص هذه المآزق في سياق الجامعات الصينية الرائدة، واقتراح اختراقات منهجية نظامية تتجاوز الحلول الجزئية المتناثرة
ويقصد بالثقافة الهندسية منظومة متكاملة من المعرفة الهندسية الأساسية وطرائق التفكير التصميمي ومهارات الممارسة العملية والاتجاهات نحو الابتكار والعمل الجماعي، وهي تختلف عن مجرد إتقان محتوى علمي نظري في أنها تؤكد التكامل بين التصور والتصميم والتنفيذ والتقويم، ولذلك فإن تنميتها لدى المعلمين المستقبليين تواجه تحديًا مزدوجًا، فهم مطالبون باكتسابها ذاتيًا أولًا ثم بتعلم كيفية تعليمها لتلاميذهم في مراحل التعليم العام ثانيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الممارسات الحالية لتنمية الثقافة الهندسية لدى المعلمين قبل الخدمة وتشخيص مآزقها وأسبابها العميقة، وهي دراسة حالة متعددة نوعية غطت تسع جامعات طبيعية صينية رائدة لإعداد المعلمين، واعتمدت بصورة رئيسة على تحليل وثائقي للسياسات المؤسسية والمناهج الدراسية، مدعومًا بمقابلات مع أعضاء هيئة التدريس ومسح لمعلمين قبل الخدمة في عينة فرعية من المؤسسات، ثم خضعت البيانات لتحليل موضوعي استخلص منه الأنماط المتكررة للمآزق وجذورها
ويعزز الطابع متعدد الحالات للدراسة قوة استنتاجاتها النوعية، فبدل دراسة جامعة واحدة قد تعكس خصوصيات محلية، أتاح فحص تسع جامعات رائدة رصد المآزق المشتركة التي تتكرر عبر سياقات مؤسسية مختلفة، بما يرجح أنها قضايا بنيوية في نموذج إعداد المعلم ذاته لا أعطالًا عابرة في إدارة جامعة بعينها، كما أسهم تنويع مصادر البيانات بين الوثائق والمقابلات والمسح في تدعيم مصداقية التشخيص
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشف التحليل الموضوعي عن مآزق بارزة تتمثل في منهج دراسي مجزأ، ونماذج تدريب أحادية النمط، وموارد غير مواءمة لاحتياجات التنمية الهندسية، ودافعية منخفضة لدى الطلاب
2، تعود هذه الإشكالات إلى أسباب عميقة تشمل غموض التموضع المفاهيمي للثقافة الهندسية في برامج إعداد المعلم، وضعف التصميم المؤسسي الداعم لها، ونقص الكوادر المتخصصة والمنصات اللازمة لممارستها
3، اقترحت الدراسة إطار اختراق رباعيًا منهجيًا يجمع بين التصميم عالي المستوى، وتأسيس المنصات، وتمكين أعضاء هيئة التدريس، والتنمية المتمحورة حول المشروعات، ويقوم في قلبه نموذج دفع مزدوج المسار يدمج الممارسة الهندسية العملية بالتطبيق التربوي بما يمكن المعلمين المستقبليين من تطوير التفكير الهندسي والكفاءة اللازمة لترجمته إلى تعليم صفي فاعل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يقدم الإطار المقترح مسارًا نظريًا وعمليًا لإعادة بناء تعليم المعلمين وتكوين قوة تدريسية عالية الجودة قادرة على تربية أجيال مبتكرة، وتتجلى قيمته في شموله، إذ لا يعالج المنهج وحده بل يربط بين الرؤية المؤسسية والبنية التحتية وتمكين المدربين ومشروعات الممارسة في منظومة واحدة، غير أن الباحثين نبهوا صراحة إلى أن الإطار المقترح ما يزال بحاجة إلى مزيد من التحقق التجريبي قبل تعميمه، وهو ما يفتح أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا فرصة لاختبار هذا النموذج في كليات التربية العربية وتكييفه مع سياقاتها، خاصة مع تنامي الاهتمام بتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في المنطقة
ويمثل نموذج الدفع مزدوج المسار قلبًا عمليًا للإطار المقترح، إذ يعالج مأزقًا مزمنًا في إعداد المعلمين يتمثل في انفصال ما يتعلمه الطالب المعلم عن كيفية تعليمه، فحين يمارس الطالب نشاطًا هندسيًا بيديه ثم يعيد تصميمه نشاطًا صفيًا لتلاميذه يتشكل لديه فهم مزدوج للمعرفة ولتعليمها معًا، وتجدر الإشارة إلى أن نقل هذه الرؤية إلى السياقات العربية يستدعي دراسة واقع منصات التصنيع والمختبرات في كليات التربية ومدى توفر مدربين يجمعون بين الخبرة الهندسية والخبرة التربوية
وخلاصة القول إن الدراسة تشخص بدقة مآزق تنمية الثقافة الهندسية لدى المعلمين قبل الخدمة وأسبابها المفاهيمية والمؤسسية، وتقترح إطارًا رباعيًا متكاملًا بنموذج دفع مزدوج المسار يمثل أساسًا واعدًا لإصلاح برامج إعداد المعلمين في انتظار التحقق التجريبي اللازم








