يُسرع الاندماج المتسارع للذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة الحاجة إلى اكتساب مهارات جديدة باستمرار، ومن ثم تتعاظم أهمية التعلم مدى الحياة بوصفه سبيل الأفراد للبقاء قادرين على المنافسة، إذ يتعين عليهم اكتساب مهارات جديدة وتعزيز مهاراتهم القائمة دون توقف، غير أن هذا التحول يثير في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول التفاعل التربوي والقيم الاجتماعية الإنسانية وما إذا كانت منظومات القيم تصمد أمام ضغط التقنية
وتسعى هذه الدراسة إلى تقويم استقرار منظومات القيم الاجتماعية الفردية ودور التفاعل التربوي في التعلم مدى الحياة أثناء اندماج الذكاء الاصطناعي، وهي قضية ذات صلة مباشرة بصناع السياسات التعليمية والباحثين العرب المهتمين بمستقبل التعلم المستمر وأخلاقيات التقنية في التعليم
ويستند الإطار النظري للدراسة إلى نظرية القيم الإنسانية الأساسية التي ترى أن القيم منظومة مستقرة نسبيًا توجه اختيارات الأفراد وسلوكياتهم عبر المواقف، وأنها تترتب في بنية دائرية من التوافقات والتعارضات، ومن ثم فإن اختبار ما إذا كان اندماج تقنية قوية كالذكاء الاصطناعي يزعج هذه البنية أم يتعايش معها يمثل سؤالًا نظريًا وتطبيقيًا في آن واحد، خاصة مع انتشار خطابات تحذر من تحولات قيمية عميقة في المجتمعات الرقمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم ثبات منظومات القيم الاجتماعية لدى الأفراد واستكشاف دور التفاعل التربوي في التعلم مدى الحياة خلال فترة اندماج الذكاء الاصطناعي، واستخدمت مسحًا كميًا شمل 160 مشاركًا بنموذج تقويم ذاتي استرجاعي يستند إلى نظرية شوارتز للقيم الإنسانية الأساسية، وعالجت البيانات باختبارات لا معلمية شملت اختبار ويلكوكسون للرتب المؤشرة واختبار كروسكال واليس وارتباط كندال للرتب، لتحليل كيفية تأثير المهارات الرقمية والمتغيرات الاجتماعية والديموغرافية في تصور التقنية واتجاهات الأفراد نحوها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ظلت منظومات القيم الأساسية مستقرة إحصائيًا، فلم يحدث اندماج الذكاء الاصطناعي أي صراع قيمي داخلي لدى المشاركين، بما يشير إلى صلابة البنية القيمية العميقة أمام التغير التقني السريع
2، كان مستوى المهارة الرقمية، لا العمر، هو العامل الأكثر دلالة في تصور الذكاء الاصطناعي، فقد قيم المشاركون إمكانات الذكاء الاصطناعي في تخصيص التعلم تقييمًا عاليًا، لكنهم أعربوا في الوقت نفسه عن مخاوف تتعلق بالاعتماد المفرط على التقنية
3، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في منظومة التعلم مدى الحياة بوصفه أداة تعليمية لا بديلًا عن المعلم، إذ لا تستطيع التقنية توفير التفاعل الاجتماعي والدعم العاطفي الضروريين للتعلم الإنساني، كما تبين أن التعليم العالي يعزز اتجاهًا نقديًا نحو المخاطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن تصميم برامج التعلم مدى الحياة في عصر الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبني على نقطة القوة الحقيقية المتاحة وهي رفع المهارات الرقمية للمتعلمين، بدل افتراض فجوات جيلية قائمة على العمر، وأن يوظف الذكاء الاصطناعي في التخصيص والتغذية الراجعة الفورية مع حماية مساحات التفاعل التربوي الإنساني والدعم العاطفي التي لا تعوضها الخوارزميات، كما يطمئن استقرار القيم الأساسية مخططي السياسات إلى أن توسيع استخدام التقنية لا يعني بالضرورة اضطرابًا قيميًا، شريطة مصاحبته بتربية نقدية أخلاقية تنمو في التعليم العالي وتحتاج إلى تعزيز في مسارات التعلم المستمر الأخرى
وتتصل النتائج بنقاشات أوسع حول أدوار المعلم في المستقبل القريب، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على التخصيص وتوليد المحتوى والإجابة الفورية، فإن قيمة المعلم الإنسان تتركز بصورة متزايدة في البناء العلائقي والدعم العاطفي وتنمية الحكم الأخلاقي والمرافقة التربوية، وهي وظائف يصعب أتمتتها، كما توجه النتائج مؤسسات التعليم المستمر إلى الاستثمار في تدريب رقمي موجه للمتعلمين الكبار تحديدًا، إذ إن المهارة الرقمية لا العمر هي ما يصنع الفارق في الانفتاح الواعي على التقنية
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم صورة متوازنة لعلاقة المتعلمين بالذكاء الاصطناعي، فقيمهم الأساسية مستقرة، ومهاراتهم الرقمية هي مفتاح تصورهم للتقنية، وإيمانهم راسخ بأن الذكاء الاصطناعي أداة تعليمية قوية لا تحل محل المعلم الإنسان ولا تفاعله الاجتماعي والعاطفي








