يحظى التحول الرقمي باعتراف متزايد بوصفه محركًا مهمًا للتنمية المستدامة والقدرة التنافسية في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات كثيرة، غير أن الأدلة حول كيفية ارتباط أبعاد التحول الرقمي المختلفة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ما تزال محدودة، ولا سيما الأدلة التي تجمع بين القياس الكمي الموضوعي وتصورات المديرين الممارسين في الميدان، كما أن تزايد الضغوط التنظيمية والسوقية على الشركات لتبني ممارسات مستدامة يجعل فهم هذه العلاقة ضرورة إدارية ملحة لا ترفًا بحثيًا يمكن تأجيله
وتكتسب هذه الفجوة أهمية عملية لأن الشركات الصغيرة والمتوسطة تعمل بموارد محدودة وتحتاج إلى معرفة أي الاستثمارات الرقمية يرتبط فعلًا بنتائج الاستدامة، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين التحول الرقمي وأهداف مختارة من أهداف التنمية المستدامة في السياق السلوفيني، مزاوجة بين بيانات أوروبية واسعة ومقابلات مع مديرين من قطاعات متعددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا مختلطًا تسلسليًا تفسيريًا أبلغت فيه النتائج الكمية المرحلة النوعية اللاحقة ووجهت استكشافها وتفسيرها لتصورات المديرين، فجمعت المرحلة الكمية بيانات مسح استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات الصادر عن يوروستات للفترة من 2020 إلى 2024 متضمنًا 60 مؤشرًا مرتبطًا بالاستدامة، وحللت العلاقة بين مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي ومؤشرات مختارة من أهداف التنمية المستدامة عبر 27 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي باستخدام ارتباط سبيرمان للرتب
أما المرحلة النوعية فتألفت من مقابلات شبه منظمة مع مديري عشر شركات سلوفينية صغيرة ومتوسطة من قطاعات مختلفة، استهدفت فهم كيفية إدراك الممارسين لأثر التقنيات الرقمية ورقمنة العمليات واتخاذ القرار المعتمد على البيانات والكفاءات الرقمية للعاملين في نتائج الاستدامة داخل شركاتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
وجاءت أبرز نتائج الدراسة على النحو الآتي
1، أظهر التحليل الكمي أن أداء سلوفينيا في الرقمنة الإجمالية يقترب من متوسط الاتحاد الأوروبي، كما رصد ارتباطات دالة بين الرقمنة والهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، بما يشير إلى تلازم تقدم التحول الرقمي مع تقدم البنية والابتكار
2، رأى المديرون أن التقنيات الرقمية ورقمنة العمليات واتخاذ القرار المعتمد على البيانات والكفاءات الرقمية للعاملين تسهم إسهامًا مهمًا في نتائج الاستدامة، ولا سيما ما يتصل بالهدف الثامن الخاص بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي والهدف التاسع والهدف الثاني عشر الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي
3، أكدت النتائج أن ترجمة مبادرات التحول الرقمي إلى نتائج مستدامة تتوقف على القدرات التنظيمية والكفاءات الرقمية والمواءمة الاستراتيجية داخل الشركة، فالتقنية وحدها لا تكفي دون بنية إدارية قادرة على توظيفها في خدمة أهداف الاستدامة توظيفًا مخططًا ومنسقًا، ومن ثم تغدو المواءمة بين الاستراتيجية الرقمية واستراتيجية الاستدامة شرطًا لنجاح كل منهما على حدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة للشركات الصغيرة والمتوسطة خريطة عملية تربط استثماراتها الرقمية بأهداف استدامة محددة، وتنبه صانعي السياسات إلى أهمية دعم الكفاءات الرقمية والقدرات التنظيمية إلى جانب البنية التحتية، كما تسهم في أدبيات التحول الرقمي الموجه للاستدامة بمزجها بين المقارنة الكمية المعيارية والمنظورات الإدارية الميدانية في تصميم واحد، وعلى مستوى السياسات العامة تبرز أهمية برامج دعم الرقمنة وتأهيل القوى العاملة بوصفها بيئة حاضنة تضاعف عائد استثمارات الشركات الرقمية على صعيد الاستدامة
وبوسع الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا تطبيق هذا التصميم المختلط في بيئات عربية لفحص العلاقة بين رقمنة الشركات الصغيرة والمتوسطة وأهداف التنمية المستدامة، مع بناء مؤشرات محلية مناسبة ومقابلات مع المديرين تكشف خصوصيات السياق المؤسسي والثقافي العربي في هذه العلاقة المتنامية الأهمية
وخلاصة القول إن التحول الرقمي في الشركات الصغيرة والمتوسطة السلوفينية يرتبط ارتباطًا ملموسًا بأهداف التنمية المستدامة، ويبرز أثره خاصة في الصناعة والابتكار، وإن تعظيم هذا الأثر يظل رهنًا ببناء القدرات التنظيمية والكفاءات الرقمية والمواءمة الاستراتيجية التي تحول التقنية إلى نتائج مستدامة حقيقية، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات طولية تتبع أثر هذه الاستثمارات عبر الزمن وفي قطاعات اقتصادية بعينها








