ألقت جائحة كوفيد 19 بظلال ثقيلة على الصحة النفسية العالمية، وكانت النساء اللاتي أنجبن خلال الجائحة في مقدمة الفئات الهشة المعرضة للاضطرابات النفسية، فالحمل والولادة مرحلتان حساستان أصلًا تتطلبان دعمًا اجتماعيًا وطبيًا مكثفًا، وقد قلصت إجراءات الإغلاق والتباعد هذا الدعم ورفعت مستويات القلق والخوف من العدوى، وفي هذا السياق يبرز اكتئاب ما بعد الولادة بوصفه اضطرابًا يستحق الرصد المبكر، إذ يؤثر في صحة الأم وقدرتها على رعاية وليدها وفي نمو الطفل وتطوره، وتزداد الحاجة إلى تقدير حجمه الحقيقي خلال الأزمات لمساعدة الأنظمة الصحية على الاستجابة المبكرة
ويعرف اكتئاب ما بعد الولادة بأنه اضطراب مزاجي يبدأ خلال الأسابيع أو الأشهر التالية للإنجاب وقد يمتد عبر السنة الأولى، ويتجلى في الحزن وفقدان الاهتمام والإرهاق واضطراب النوم وصعوبة الترابط مع الرضيع، وتتفاوت تقديرات انتشاره عالميًا بحسب أدوات الفرز والسياقات الثقافية، غير أن الأزمات الصحية الكبرى ترفع عادة معدلاته بما تفرضه من عزلة وخوف وغموض اقتصادي، ولذا غدت الجائحة مختبرًا طبيعيًا مؤلمًا لدراسة هشاشة الصحة النفسية للأمهات وحاجة أنظمة الفرز والدعم إلى تطوير عاجل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تقدير أثر جائحة كوفيد 19 في اضطراب الاكتئاب ذي البداية التالية للولادة، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا امتد من الأول من مارس عام 2020 إلى الأول من مارس عام 2023 خلال فترة الجائحة، واستندت إلى تقييم استرجاعي لبيانات 860 امرأة في فترة ما بعد الولادة، واستخدمت مقياس إدنبرة لاكتئاب ما بعد الولادة أداة للفرز وتقدير شدة الأعراض، واستكملت الاستبانات في قسمي التوليد وأمراض النساء الأول والثاني بمستشفى بيوس برينزيو الطارئ في مدينة تيميشوارا الرومانية، إضافة إلى تعبئتها إلكترونيًا عبر نماذج غوغل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لوحظت أعلى درجات الشدة لأعراض اكتئاب ما بعد الولادة خلال فترة الجائحة، بما يشير إلى تزامن الارتفاع مع ضغوط الوباء وقيوده الاجتماعية والصحية
2، بلغ انتشار اضطراب الاكتئاب الكبير ما بعد الولادة، أي بلوغ الدرجة 13 فأكثر على المقياس، نسبة 54.2 في المئة بواقع 466 مريضة، بينما سجل الاضطراب الاكتئابي البسيط بدرجات بين 10 و12 نسبة 15.6 في المئة بواقع 134 امرأة في السنة الأولى بعد الولادة
3، أظهرت المقارنة مع بحوث أجريت قبل بدء الجائحة زيادة مقلقة في انتشار اكتئاب ما بعد الولادة، مما يعزز فرضية الأثر النفسي العميق للأزمة الصحية في الأمهات
4، ارتبطت عوامل خطر متعددة بالاكتئاب شملت نوع الولادة، ومستوى التعليم، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، والحالة الصحية، والعمر، والخلفية، والتاريخ التوليدي الشخصي مثل عدد حالات الإجهاض عند الطلب وعدد الولادات السابقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه هذه النتائج إلى أن آثار الجائحة في الصحة النفسية تثير قلقًا خاصًا بشأن النساء في السنة الأولى بعد الإنجاب، وأن ملاحظة هذه التحديات مبكرًا وتطوير تدابير فعالة لإعداد النظام الصحي قد يفيد كثيرًا في مواقف مشابهة مستقبلًا، ويدعم ذلك الفرز النفسي المبكر للنساء بعد الولادة وتعزيز صحة الأم والطفل معًا، وهي قضايا مركزية لطلاب الدراسات العليا في الصحة النفسية والصحة العامة والتمريض الباحثين في سياقات ما بعد الأزمات الصحية والاجتماعية
وتشير الدراسة عمليًا إلى أهمية دمج الفرز النفسي في زيارات متابعة الحمل وما بعد الولادة بصورة روتينية لا استثنائية، وتدريب أطباء التوليد والقابلات على رصد العلامات المبكرة وإحالة الحالات في وقتها، وتوسيع قنوات الدعم عن بعد التي أثبتت الجائحة جدواها حين تعذر الحضور، كما تنبه إلى الفئات الأشد احتياجًا بحسب عوامل الخطر المرصودة ليحظين بمتابعة أوثق، وهي دروس قابلة للنقل إلى السياقات العربية التي تستعد لخطط طوارئ صحية تراعي الصحة النفسية للأمهات
وخلاصة القول إن جائحة كوفيد 19 رفعت انتشار اكتئاب ما بعد الولادة وشدة أعراضه بصورة مقلقة، وإن بناء أنظمة فرز ودعم نفسي مبكر للأمهات استثمار ضروري لحماية جيلين معًا في الأزمات الصحية الراهنة والمقبلة








