تتسع قدرات الحكومات والشركات على جمع البيانات واستخدامها مع التقدم التقني المتسارع، وتتجه أنظار صناع السياسات إلى توظيف هذه البيانات في تحقيق منافع عامة في الصحة والنقل والخدمات، غير أن جمع البيانات واستخدامها يظلان مقيدين بمعايير أخلاقية وبما يفضله المواطنون بشأن خصوصيتهم، وهذه التفضيلات ليست ثابتة بل تتشكل وفق أبعاد مقارنة متعددة اقترحها إطار بحوث الخصوصية المقارنة، وتبرز الحاجة إلى منظور متوسط المستوى يصف استخدامات البيانات في سياقاتها المحددة بدقة، وهو ما توفره نظرية النزاهة السياقية التي طورتها هيلين نيسنباوم، إذ تنظر إلى الخصوصية بوصفها ملاءمة تدفقات المعلومات لمعايير كل سياق اجتماعي
ويكتسب هذا النقاش راهنية خاصة مع توسع مشاريع البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي الحكومي، إذ لم يعد السؤال ما إذا كانت البيانات ستستخدم بل كيف ستستخدم ومن سيستخدمها وبأي ضمانات، وتختلف إجابات المواطنين عن هذه الأسئلة بحسب خبراتهم التاريخية مع مؤسسات دولهم ومستويات الثقة العامة فيها، وهو ما يجعل المقارنة الدولية أداة كاشفة لا ترفًا أكاديميًا، إذ تسمح برصد ما هو عام في قلق الخصوصية وما هو خاص بكل سياق وطني ومؤسسي وتاريخي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى دمج منظور النزاهة السياقية في إطار بحوث الخصوصية المقارنة وتطبيقه تجريبيًا لفحص مواقف الجمهور من سيناريوهات محددة لاستخدام البيانات عبر بلدان مختلفة، مع مراعاة التباين الزمني والدولي والفردي في آن واحد، واعتمدت الدراسة على تجربة مسحية عبر الإنترنت أجريت في ثلاثة بلدان هي ألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة على موجتين في ديسمبر من عام 2022 ومايو من عام 2023، وفيها قيم المشاركون مدى ملاءمة سيناريوهات افتراضية لاستخدام البيانات تنوعت بحسب نوع البيانات، والجهات المتلقية لها، وشروط استخدامها، بما يتيح رصد حساسية المواقف لكل معامل سياقي على حدة ومقارنتها بين البلدان والفترات الزمنية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن آثار المعاملات السياقية تتفاوت بين البلدان بدرجات مختلفة، فليست مواقف الخصوصية قالبًا واحدًا يصلح لكل المجتمعات بل تتشكل وفق الخصائص الثقافية والمؤسسية لكل بلد
2، كان المشاركون شديدي الحساسية تجاه تغير أنواع البيانات، وكانت البيانات الصحية هي الأكثر قبولًا للاستخدام في تحقيق المنفعة العامة مقارنة بغيرها من الأنواع
3، تفاوت القبول النسبي للجهات المتلقية للبيانات تفاوتًا واضحًا بين البلدان، فما تقبله جماهير بلد ما من جهات حكومية أو خاصة قد لا تقبله جماهير بلد آخر بالدرجة نفسها
4، لم ترتبط فردية البلد على المستوى الكلي باستمرار بالمستوى المرغوب من التحكم في البيانات، مما يشكك في الافتراضات المبسطة التي تربط الثقافة الفردية مباشرة بمواقف الخصوصية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج فائدة عدسة النزاهة السياقية في كشف التباينات السياقية متوسطة المستوى في اتجاهات الخصوصية عبر البلدان، فهي تتيح للباحثين وصناع السياسات أن يصمموا أطر حوكمة للبيانات تراعي نوع البيانات ومتلقيها وشروط تداولها في كل سياق وطني، بدل فرض قوالب موحدة قد تصطدم بتوقعات الجمهور، وتمثل الدراسة مرجعًا مهمًا للباحثين العرب في دراسات الإعلام الرقمي والقانون والسياسات العامة ممن يدرسون الثقة الرقمية وحوكمة البيانات في مجتمعاتهم ويسعون إلى بناء أطر تشريعية متوازنة
ومن الدلالات المنهجية للدراسة أنها تقدم قالبًا قابلًا للنقل إلى سياقات أخرى، فبوسع الباحثين في بلدان جديدة أن يوظفوا سيناريوهات النزاهة السياقية ذاتها مع تكييفها محليًا لمقارنة مواقف جماهيرهم بمواقف الجماهير الأوروبية، كما تنبه واضعي تشريعات حماية البيانات إلى أن الشرعية الاجتماعية لاستخدام البيانات لا تبنى بالنصوص القانونية وحدها، فالقبول العام يتوقف على شفافية الأنواع والمتلقين والشروط، وعلى قدرة المؤسسات على إثبات أن المنفعة العامة المتوخاة حقيقية وموزعة بعدالة
وخلاصة القول إن مواقف الجمهور من استخدام البيانات للمنفعة العامة مواقف سياقية بامتياز تتأثر بنوع البيانات ومتلقيها والسياق الوطني، وإن منظور النزاهة السياقية أداة تحليلية واعدة لفهم هذه المواقف وترجمتها إلى سياسات خصوصية أكثر دقة وعدالة








