تتشكل صورة الجسد لدى المراهقين تحت ضغوط اجتماعية ثقافية متعددة تأتي من الأسرة والأصدقاء ووسائل الإعلام، وتتفاعل مع درجة استبطان الفرد لمعايير الجمال التي تبثها الوسائط، فإذا اشتدت هذه الضغوط ارتفع عدم الرضا عن الجسد وازدادت أعراض اضطرابات الأكل، غير أن معظم الأدلة المتاحة تأتي من بيئات حضرية غربية، بينما تبقى المجتمعات الريفية في أمريكا اللاتينية وسياقات ثقافية أخرى قليلة التمثيل في هذا الحقل البحثي المهم لصحة المراهقين النفسية
وتسهم هذه الدراسة في سد هذه الفجوة بفحصها الروابط بين عدم الرضا عن الجسد وأعراض اضطرابات الأكل والتأثيرات الاجتماعية الثقافية لدى مراهقين في ريف نيكاراغوا، مع تقصي الفروق بحسب النوع الاجتماعي والمجموعة العرقية، وهو ما يوفر للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس والصحة النفسية نموذجًا لدراسة قضايا صورة الجسد في سياقات ريفية وثقافية غير غربية قليلة الدراسة أصلًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم الارتباطات بين عدم الرضا عن صورة الجسد وأعراض اضطرابات الأكل والتأثيرات الاجتماعية الثقافية ممثلة في الضغوط الاجتماعية الثقافية المدركة واستبطان الوسائط الإعلامية لدى المراهقين في ريف نيكاراغوا، مع تقويم الفروق بحسب النوع الاجتماعي والمجموعة العرقية، وقد أجريت دراسة مقطعية شملت 122 مراهقًا تراوحت أعمارهم بين 11 و18 عامًا منهم 77 فتاة وبلغ متوسط العمر 13.8 عامًا بانحراف معياري قدره 1.55، وينتمون إلى مجتمعات ريفية صغيرة، وأكمل المشاركون استبانات مقننة وموثوقة ومكيفة ثقافيًا تقيس الضغوط الاجتماعية الثقافية المدركة واستبطان الوسائط وعدم الرضا عن الجسد وأعراض اضطرابات الأكل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت الضغوط الاجتماعية الثقافية المدركة الأقوى واستبطان الوسائط الأكبر بمستويات أعلى من عدم الرضا عن الجسد وبأعراض أكثر لاضطرابات الأكل لدى الفتيان والفتيات معًا، وكان الضغط الاجتماعي الثقافي المدرك من الأسرة والأصدقاء ووسائل الإعلام أقوى متنبئ بعدم الرضا عن الجسد في نماذج الانحدار الهرمي، بينما لم يتنبأ استبطان الوسائط العام بعدم الرضا وإن برز الاستبطان الرياضي متنبئًا دالًا لدى الفتيات في تحليلات استكشافية
2، أظهرت الفتيات مستويات أدنى من عدم الرضا عن الجسد ومن استبطان الوسائط مقارنة بالفتيان، وهو نمط يخالف التوقعات الشائعة في أدبيات البيئات الغربية ويشير إلى أن علاقات النوع الاجتماعي بصورة الجسد قد تتشكل بصورة مختلفة بحسب السياق الثقافي الريفي وخصوصية أدوار الجنسين فيه
3، أظهر المشاركون من السكان الأصليين عدم رضا أعلى عن الجسد واستبطانًا أعلى للوسائط وضغطًا اجتماعيًا ثقافيًا مدركًا أعلى مقارنة بالمشاركين من أصول أفريقية، بينما لم توجد فروق بحسب النوع الاجتماعي أو المجموعة العرقية في أعراض اضطرابات الأكل، مما يبرز أهمية السياق الثقافي والعرقي في فهم تجربة الجسد لدى المراهقين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات الدراسة إلى أن الضغوط المدركة من الأسرة والأصدقاء ووسائل الإعلام متنبئات أقوى بعدم الرضا عن الجسد من استبطان الوسائط ذاته لدى الجنسين، ومن ثم ينبغي لبرامج الوقاية والتدخل المبكر أن تستهدف البيئة الاجتماعية القريبة للمراهق وأن تشرك الأسرة والأقران في التوعية، كما تؤكد الفروق بين الشباب الأصليين والمنحدرين من أصول أفريقية ضرورة مراعاة السياق الثقافي والعرقي عند تقويم صورة الجسد وأعراض اضطرابات الأكل في المجموعات الريفية بأمريكا اللاتينية، وهي دعوة تنطبق على السياقات العربية المتنوعة ثقافيًا حيث قد تختلف الضغوط والمعايير من بيئة إلى أخرى
وتفتح هذه النتائج الباب أمام دراسات عربية مقارنة في بيئات ريفية وحضرية لاختبار ما إذا كانت الضغوط الأسرية والرفاقية هي المتنبئ الأقوى بعدم الرضا عن الجسد لدى المراهقين العرب أيضًا، ولرصد أثر منصات التواصل الاجتماعي الحديثة التي ضاعفت تعرض المراهقين لصور الجسد المثالي، بما يساعد على بناء برامج وقاية مدرسية وأسرية تراعي خصوصية القيم المحلية وتوازن بين الانفتاح الإعلامي وحماية صورة الجسد الصحية لدى الناشئة
وخلاصة القول إن عدم الرضا عن الجسد لدى المراهقين الريفيين يتشكل أساسًا تحت وطأة الضغوط الاجتماعية المحيطة أكثر مما يتشكل باستبطان معايير الوسائط وحده، وإن فهم هذه الدينامية ضمن سياقها الثقافي والعرقي يمثل أساسًا لأي تدخل وقائي أو علاجي فعال يحمي الصحة النفسية للمراهقين في المجتمعات الريفية








