يمثل التردد في تطعيم الأطفال تحديًا متناميًا للصحة العامة في كثير من بلدان العالم، وتعد نيجيريا من الدول ذات المعدلات الأعلى في الأطفال غير المطعمين بأي جرعة، إذ تتداخل عوامل المعلومات المضللة وانهيار الثقة بالمؤسسات الصحية مع المعتقدات الدينية والتقاليد المحلية ومنطق الحماية البديلة الذي تتبناه بعض الأسر، فتتشكل بيئة معقدة لا تنجح فيها الرسائل الصحية التقليدية أحادية الاتجاه في تغيير السلوك
وتقدم هذه الدراسة إسهامًا أصيلًا باعتمادها مدخل الإنتاج المشترك مؤسسًا على التحليل الظواهراتي التفسيري، بحيث يشارك الآباء ومقدمو الرعاية أنفسهم في بناء تدخل حملة إعلامية تستهدف تقليل التردد وتعزيز الإقبال على التطعيم الروتيني، وهو توجه يهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة وعلوم الاتصال الصحي الباحثين عن أساليب تشاركية لبناء الثقة المجتمعية في البرامج الوقائية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإسهام بصورة ذات معنى في الإنتاج المشترك لتدخل حملة إعلامية مع الآباء ومقدمي الرعاية النيجيريين الذين لم يستكمل أطفالهم التطعيمات الروتينية أو استكملوها جزئيًا فقط، بما يقلل التردد في التطعيم ويعزز الإقبال عليه، وقد جند عشرة من الآباء أو مقدمي الرعاية ممن لم يكن أطفالهم محدثي التطعيم للمشاركة في مناقشة مجموعة مركزة، ثم حللت البيانات باستخدام التحليل الظواهراتي التفسيري الذي يتيح فهمًا عميقًا لخبرات المشاركين وتصوراتهم ودوافعهم كما يعيشونها ويعبرون عنها بأنفسهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج أن العداء والمعلومات المضللة وانهيار الثقة في اللقاحات تتداخل مع الإيمان والتقاليد ومنطق الحماية البديلة المعاش لتفاقم التردد في التطعيم، فليست المشكلة جهلًا بسيطًا بالمعلومات بل منظومة متشابكة من التجارب والتصورات والقيم التي ينبغي فهمها قبل محاولة تغييرها
2، أظهرت النتائج أن الوضوح والطمأنينة والتمكين في التواصل بشأن اللقاحات، مدعومة بأصوات تراعي النوع الاجتماعي وتمثيله، يمكن أن تبني الثقة في رسائل التطعيم وتشجع الأسر على الإقبال عليه، فحين يشعر الآباء بأن مخاوفهم مسموعة ومحترمة يصبحون أكثر استعدادًا لمراجعة مواقفهم المترددة
3، أكدت الدراسة أن الحملات الإعلامية المنتجة بصورة مشتركة مع الجمهور المستهدف أقدر على مخاطبة الاهتمامات الثقافية والاجتماعية الحقيقية للأسر من الحملات المصممة مركزيًا، لأنها تنطلق من لغة المجتمع نفسه وقيمه وقنواته الموثوقة وتعيد بناء جسور الثقة المنهارة تدريجيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى مهمة لصناع السياسات واستراتيجيات التواصل في الصحة العامة، إذ تؤكد الحاجة إلى تدخلات حملات إعلامية ملائمة ثقافيًا تعالج مخاوف الأسر بشأن اللقاحات وتعمل على تعزيز الإقبال عليها، كما تبين أن إشراك المجتمعات المحلية والأصوات المؤثرة فيها، بما فيها الأصوات النسائية، في تصميم الرسائل الصحية يرفع مصداقيتها وقبولها، وهي دروس قابلة للتطبيق في سياقات عربية تواجه تحديات مشابهة في التردد تجاه اللقاحات والبرامج الوقائية، مع مراعاة خصوصية كل سياق ثقافي واجتماعي وعدم افتراض قابلية النقل المباشر للنتائج
يبرز في هذا السياق أن بناء الحملات الصحية على فهم عميق لخبرات الجمهور المستهدف يعيد توزيع أدوار المعرفة بين الخبراء والمجتمع، فالآباء ليسوا متلقين سلبيين للرسائل بل شركاء يمتلكون معرفة محلية بمصادر معلوماتهم الموثوقة ولغتهم اليومية ومخاوفهم الحقيقية، وحين تدمج هذه المعرفة في تصميم الرسائل والقنوات والأصوات المتحدثة تزداد فرص قبول الحملة وانتشارها العضوي داخل المجتمع عبر الشبكات الاجتماعية الطبيعية للأسر
كما تلفت الدراسة الانتباه إلى البعد الجندري في التواصل الصحي، فالأمهات غالبًا هن صانعات القرار اليومي في رعاية الأطفال وصحتهم بينما قد تؤثر أصوات الآباء والقيادات الدينية والمجتمعية في الشرعية الاجتماعية لهذا القرار، ومن ثم فإن حملة رشيدة تخاطب الأصوات المختلفة بأدوار متكاملة، وتوظف القصص والتجارب المحلية المؤثرة بدل الاكتفاء بالأوامر والنواهي الرسمية التي أثبتت التجربة محدودية أثرها في قضايا الثقة الحساسة
وخلاصة القول إن معالجة التردد في تطعيم الأطفال تتطلب الانتقال من إلقاء المعلومات على الجمهور إلى الإنتاج المشترك للرسائل الصحية مع الآباء ومقدمي الرعاية، فبناء الثقة عبر الوضوح والطمأنينة والتمكين يمثل المدخل الأجدى لتعزيز الإقبال على التطعيم الروتيني وحماية صحة الأطفال على المدى الطويل








