أصبح التقويم عبر الإنترنت مكونًا بنيويًا راسخًا في التعليم العالي بمختلف السياقات، إذ يعتمد عليه أعضاء هيئة التدريس في قياس تعلم الطلاب وتوجيهه، غير أن الأدلة التجريبية ما تزال محدودة حول كيفية تصميم الأساتذة للتقويم الإلكتروني وتنفيذه وتفسير نتائجه وتوظيفها بوصفها بناء متعدد الأبعاد ومتكامل، وهو ما يجعل الحاجة ماسة إلى أدوات قياس رصينة تمتلك بنية عاملية موثقة وثباتًا عاليًا وقدرة تشخيصية توجه برامج التطوير المهني نحو مواضع الحاجة الفعلية
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في سياق التعليم العالي بدولة الإمارات العربية المتحدة حيث تتسارع التحولات الرقمية وتتعدد أنماط التعلم المدمج والإلكتروني، وتتناول هذه الدراسة ممارسات التقويم عبر الإنترنت لدى أعضاء هيئة التدريس الجامعيين، وتسعى إلى التحقق من البنية العاملية لأداة قياس شاملة وفحص ثباتها وصدق نموذجها، بما يمنح المؤسسات الجامعية إطارًا تشخيصيًا معتمدًا يمكن البناء عليه في رفع جودة التقويم وعدالته ومقاومته للممارسات التي تقوض نزاهته في عصر الذكاء الاصطناعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ممارسات التقويم عبر الإنترنت لدى أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي الإماراتية، وتقويم البنية العاملية والثبات وجودة مطابقة النموذج لقائمة قياس مكونة من 31 بندًا، واعتمدت منهج المسح المقطعي فجمعت البيانات من 314 عضو هيئة تدريس موزعين على أقسام أكاديمية متعددة، ثم أخضعت البيانات للتحليل العاملي الاستكشافي للكشف عن البنية التجريبية الكامنة، وللتحليل العاملي التوكيدي لاختبار نموذج منقح رباعي العوامل يضم تحسين التقويم وتصميم التقويم وممارسة التقويم والثقافة التقويمية، مع الاحتفاظ بالمؤشرات كلها وفحص مؤشرات المطابقة وصدق التقارب والثبات الداخلي للعوامل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأداة تمتلك خصائص سيكومترية قوية وأن النموذج الرباعي المنقح حقق مطابقة ممتازة للبيانات، ويمكن إبراز أهم النتائج في النقاط الآتية
1، أظهرت قائمة القياس بكامل بنودها اتساقًا داخليًا قويًا بلغ معامل ألفا كرونباخ له 0.931، كما أظهرت العوامل المنقحة ثباتًا قويًا وصدق تقارب ملائمًا يدعم استخدام الأداة في التشخيص والتقويم المؤسسي
2، اقترح التحليل العاملي الاستكشافي بنية تجريبية أكثر تعقيدًا من الإطار الأصلي رباعي المجالات، مع أدلة على تداخل بين بعض المؤشرات، وهو ما دفع الباحثين إلى اللجوء إلى التحليل التوكيدي لاختبار النموذج المنقح
3، احتفظ النموذج المنقح بالبنود كلها وعددها 31 بندًا، وحقق مطابقة قوية إذ بلغت قيمة مربع كاي 420.092 عند 428 درجة حرية وبمستوى دلالة 0.598، وبلغت نسبتها إلى درجات الحرية 0.982 وجذر متوسط المربعات المتبقية 0.041
4، جاءت بقية مؤشرات المطابقة داعمة للنموذج، فبلغ مؤشر جودة المطابقة 0.921 ومؤشر جودة المطابقة المعدل 0.909 ومؤشر المطابقة المقارن 1.000 ومؤشر تاكر ولويس 1.002 وجذر متوسط مربع خطأ التقريب 0.000
5، دعمت النتائج تصور ممارسات التقويم عبر الإنترنت إطارًا متماسكًا متعدد الأبعاد تترابط فيه مجالات استخدام أدلة التقويم وتصميم التقويم الإلكتروني والممارسات المنفذة والثقافة التقويمية مع بقائها مجالات متميزة يمكن قياس كل منها على حدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة إطارًا تشخيصيًا موثقًا يمكن أن تستند إليه الجامعات في تعزيز التطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس في مجال التقويم الإلكتروني، ولا سيما في التصميم الموجه بالصدق وجودة التغذية الراجعة واستخدام سلالم التقدير الوصفية وضبط الدرجات وتحقيق العدالة وبناء تقويمات قادرة على الصمود أمام تحديات الذكاء الاصطناعي، وتفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في بناء أدوات قياس مماثلة أو تكييفها مع بيئاتهم الجامعية، إذ تعرض الدراسة مسارًا منهجيًا متكاملًا من التحليل الاستكشافي إلى التوكيدي يمكن محاكاته في سياقات عربية مشابهة
كما تفتح الدراسة الباب أمام استخدامات مؤسسية أوسع للأداة، من ربط نتائج تشخيص ممارسات التقويم بخطط الاعتماد الأكاديمي وضمان الجودة، إلى تتبع تطور كفايات أعضاء هيئة التدريس التقويمية عبر الزمن ومقارنة الممارسات بين الكليات والتخصصات المختلفة بما يعمق ثقافة تقويم مؤسسية قائمة على الأدلة لا على الانطباعات
وخلاصة القول إن التحقق من نموذج رباعي العوامل لممارسات التقويم عبر الإنترنت يمنح المؤسسات الجامعية أداة موثوقة لقياس واقع التقويم الإلكتروني وتطويره، ويربط بين جودة القياس وجودة التعلم، وهو ما يجعل الاستثمار في الثقافة التقويمية للأساتذة مدخلًا أساسيًا لرفع جودة التعليم العالي برمته








