يشهد التعليم العالي تحولًا رقميًا متسارعًا أعاد تشكيل الطرق التي يتعلم بها الطلاب ويبحثون ويتفاعلون مع المعرفة، إذ لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسائل مساعدة هامشية بل أصبحت جزءًا من البيئة اليومية للطالب الجامعي في البحث والكتابة والتحليل، وهو ما يثير أسئلة جوهرية حول الكفايات التي يحتاجها الطلاب لتوظيف هذه الأدوات بوعي ومسؤولية، وحول انعكاس ذلك على مشاركتهم الفعلية في الأنشطة البحثية التي تمثل قلب العملية الجامعية ومدخلهم الأصيل إلى مجتمع المعرفة
وفي هذا السياق تتقاطع ثلاثة مفاهيم محورية هي الحكمة الرقمية بوصفها القدرة على التقدير الرشيد لاستخدام التقنية وموازنة منافعها ومخاطرها، والكفاءة الرقمية بوصفها امتلاك المهارات العملية للتعامل مع البيئات الرقمية بثقة، والمشاركة البحثية بأبعادها السلوكية والمعرفية والانفعالية، وتأتي هذه الدراسة من نيجيريا لتمحص العلاقات بين هذه المفاهيم لدى طلاب مؤسسات التعليم العالي، مع الانتباه إلى الفروق المرتبطة بالمرحلة الدراسية بين طلاب البكالوريوس وطلاب الدراسات العليا، وبالبيئة الجغرافية بين المناطق الحضرية والريفية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين استخدام الطلاب لأدوات الذكاء الاصطناعي وكل من حكمتهم الرقمية وكفاءتهم الرقمية ومشاركتهم في الأنشطة البحثية، واستكشاف الدور الوسيط للحكمة والكفاءة الرقميتين في هذه العلاقة، واعتمدت الدراسة إطارًا كميًا وتصميمًا بعديًا يقوم على دراسة الواقع كما هو دون تدخل تجريبي، وجمعت البيانات من طلاب في مؤسسات تعليم عال مختلفة بما يعكس تجاربهم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي واستعدادهم الرقمي وانخراطهم في عمليات البحث، ثم حُللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية لتقويم نموذج القياس واختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات، واستُعين بالتحليل متعدد المجموعات لمقارنة الأنماط عبر الفئات الديموغرافية المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج شبكة من العلاقات المتداخلة بين استخدام الأدوات الذكية والاستعداد الرقمي والمشاركة البحثية، ويمكن إبراز أهمها في النقاط الآتية
1، ارتبط انخراط الطلاب مع أدوات الذكاء الاصطناعي ارتباطًا وثيقًا بمستويات أعلى من الحكمة الرقمية والكفاءة الرقمية، بما يشير إلى أن الاستخدام الفعلي لهذه الأدوات يصاحبه نمو متواز في الوعي الرقمي والمهارة العملية لدى الطلاب
2، شكلت الحكمة الرقمية والكفاءة الرقمية قنوات مؤثرة في تشكيل أبعاد المشاركة البحثية السلوكية والمعرفية والانفعالية، فلم يكن أثر الأدوات الذكية مباشرًا فحسب بل مر عبر هذين الوسيطين المهمين
3، أثرت الحكمة الرقمية إيجابًا في المشاركة السلوكية والانفعالية للطلاب في البحث، غير أنها أظهرت ارتباطًا سالبًا بالمشاركة المعرفية، وهي نتيجة لافتة تستدعي التأمل في كيفية توجيه الطلاب لجهدهم الذهني أثناء البحث
4، بدت آثار الكفاءة الرقمية مشروطة بالسياق، إذ ظهرت علاقات أقوى لدى طلاب الدراسات العليا ولدى الطلاب في المناطق الريفية مقارنة بغيرهم من الفئات المدروسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية مهمة لمؤسسات التعليم العالي، إذ تؤكد أن تنمية المشاركة البحثية لا تتحقق بتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها بل ببناء منظومة متكاملة تعزز الحكمة الرقمية والكفاءة الرقمية لدى الطلاب، وتدعو إلى استراتيجيات شاملة ومراعية للسياق تراعي اختلاف الخلفيات الدراسية والجغرافية، وتفيد هذه الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تصميم بحوث مماثلة داخل الجامعات العربية التي تشهد توسعًا متسارعًا في توظيف الأدوات الذكية، مع الانتباه إلى أن العلاقة السالبة بين الحكمة الرقمية والمشاركة المعرفية تفتح بابًا لبحوث لاحقة حول التوازن بين الاستخدام الواعي للتقنية والانخراط الذهني العميق في البحث
وتتعاظم أهمية هذه القضية في السياقات الجامعية النامية التي تتسابق مؤسساتها للحاق بركب التحول الرقمي العالمي، إذ تنبه الدراسة صناع القرار إلى أن الفجوات بين البيئات الحضرية والريفية وبين المراحل الدراسية تستدعي برامج دعم رقمي موجهة تراعي خصوصية كل فئة، لا حلولًا موحدة تعمم على الجميع دون تمييز أو مراعاة للفروق الفردية والسياقية بين الطلاب
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم صورة متكاملة عن كيفية تفاعل أدوات الذكاء الاصطناعي مع الاستعداد الرقمي للطلاب لتشكيل مشاركتهم البحثية، وتبرز أن الاستثمار الأمثل في التقنية يمر عبر تنمية الإنسان القادر على استخدامها بحكمة وكفاءة، وهي رسالة تتجاوز السياق النيجيري إلى كل بيئة جامعية تسعى إلى بحث علمي رصين في العصر الرقمي








