يحتل مفهوم تقديم الذات مكانة مركزية في دراسات وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يدور النشاط على هذه المنصات في جوهره حول كيفية ظهور المستخدمين أمام الآخرين وكيفية تلقي هذا الظهور وتأويله، وقد استندت أبحاث كثيرة في تحليل هذا الظهور إلى النموذج الدراماتورجي الذي قدمه عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان في كتابه تقديم الذات في الحياة اليومية الصادر عام 1959، فصار النموذج إطارًا مألوفًا لقراءة الأدوار الاجتماعية والهويات والأنا المثالية والأنا الأصيلة والعلامات الشخصية التي يعرضها المستخدمون عبر حساباتهم
غير أن هذه الدراسة ترى أن نموذج غوفمان ينتمي إلى حقبة زمنية مختلفة عن حقبة المنصات الرقمية، وأن تقديم الذات عبر الإنترنت بات يحتاج إلى مقاربات نظرية جديدة ومحتوى مفاهيمي متجدد، فالممارسات الرقمية المعاصرة بما تنطوي عليه من صور ومرشحات ورموز ومشاعر مصممة بعناية تتجاوز حدود المجاز المسرحي التقليدي، وتدعو إلى الاستعانة بنظريات المسرحية وفنون الأداء لبناء جهاز مفاهيمي أدق وأكثر تدرجًا في فهم هذه الممارسات وتحليلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى بناء تصنيف نظري جديد لأنماط تقديم الذات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، منطلقة من تحول جوهري في زاوية النظر، فبدلًا من الانشغال بما يقدمه المستخدمون من أدوار وهويات وصور مثالية أو أصيلة، وجهت الدراسة اهتمامها إلى كيفية أداء هذا التقديم، أي إلى أسلوب التمثيل والملبس واستخدام الإكسسوارات والمكياج والرموز والعلامات والمشاعر والتعابير، واعتمدت الدراسة في بنائها النظري على مفاهيم المسرحية والتمثيل البسيط والتمثيل المعقد وعدم التمثيل ومفهوم ليس أنا وليس لست أنا، إضافة إلى وعي الجمهور المتخيل والانغماس أو الاستغراق في الأداء
ثانيًا: أبرز النتائج
1، قدمت الدراسة ستة أنماط للمسرحية في تقديم الذات عبر المنصات الرقمية، مرفقة بشروط كل نمط وخصائصه، بما يتيح للباحثين أداة تحليلية جاهزة لتصنيف الأداءات الرقمية المتنوعة
2، بينت الدراسة أن التركيز على كيفية الأداء يكشف أبعادًا كانت غائبة في التحليلات التقليدية، مثل إدارة الانطباع البصري وتوظيف الرموز والعلامات، وضبط المشاعر والتعابير بما يناسب الجمهور المتخيل
3، أوضحت الدراسة أن وعي المستخدمين بجمهور متخيل لا يرونه مباشرة يمثل سمة مميزة للأداء الرقمي، إذ يصمم المستخدم حضوره في ضوء تصوره لمن سيتلقى هذا الحضور وكيف سيتلقاه
4، خلصت الدراسة إلى أن مفاهيم فنون الأداء مثل الانغماس والتمثيل المعقد تمنح الباحثين لغة وصفية أغنى من ثنائية الأصالة والتصنع التي هيمنت على أدبيات تقديم الذات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج هذه الدراسة على دلالات مهمة للباحثين في دراسات الإعلام والاتصال وعلم الاجتماع الرقمي، إذ تفتح الباب أمام إعادة قراءة الظواهر الرقمية المألوفة كإدارة الملفات الشخصية وصناعة المحتوى وبناء العلامة الذاتية بعدسات نظرية جديدة، كما تساعد مصممي المنصات والمهتمين بالثقافة الرقمية على فهم أعمق لدوافع المستخدمين وأنماط حضورهم، ويمثل التصنيف المقترح نقطة انطلاق لدراسات ميدانية تختبر الأنماط الستة في سياقات ثقافية ومنصات متنوعة، وهو ما يهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في دراسة تقديم الذات في البيئات الرقمية العربية بأدوات نظرية محدثة
ويستدعي هذا التحول النظري انتباه الباحثين في العالم العربي إلى أن منصات التواصل باتت مسرحًا يوميًا لبناء الهويات والتفاوض حول الصورة الاجتماعية، فالحسابات الشخصية والمحتوى المرئي والقصص اليومية كلها أداءات محكومة بتصورات الجمهور وردود فعله، ومن هنا تكتسب دراسة كيفية الأداء أهمية تطبيقية في فهم ظواهر مثل تسويق الذات المهني وصناعة المؤثرين وإدارة السمعة الرقمية، وهي ظواهر آخذة في الاتساع في البيئات العربية وتحتاج إلى أطر تحليلية تتجاوز الوصف السطحي إلى فهم آليات الأداء ودوافعه وشروط نجاحه لدى فئات الجمهور المختلفة وتباين سياقاتها الثقافية
وخلاصة القول إن تقديم الذات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد يكفي لتحليله نموذج دراماتورجي وُلد في عصر ما قبل المنصات الرقمية، فالتصنيف المسرحي الجديد الذي تقدمه هذه الدراسة ينقل الاهتمام من مضمون ما يعرضه المستخدمون إلى كيفية أدائهم لهذا العرض، ويمنح الباحثين جهازًا مفاهيميًا أكثر دقة وثراء لفهم الأداء الرقمي المعاصر بأنماطه الستة وشروطه المختلفة








