تشهد كوريا الجنوبية تحولات ديموغرافية لافتة تتمثل في انخفاض معدل الخصوبة الكلي إلى 0.72 في عام 2023 بالتوازي مع ارتفاع معدلات العقم بين المتزوجين، وهي تحولات تثير اهتمام الباحثين في الصحة العامة وعلم النفس الاجتماعي، خاصة أن العقم يُفسَّر في سياق اجتماعي ثقافي مؤيد للإنجاب يؤكد الزواج والأبوة والأمومة وتوقعات الأدوار التقليدية للجنسين، ما يجعل تصورات الأفراد حيال العقم محملة بدلالات اجتماعية ونفسية عميقة
وعلى الرغم من تصاعد معدلات العقم، ظلت الدراسات التي تتناول كيفية إدراك الشباب الجامعي للعقم محدودة، رغم أن هذه الفئة في مقتبل قراراتها الإنجابية المستقبلية، وتتشكل تصوراتها بفعل منظومة من القيم الأسرية والقوالب النمطية والرسائل الإعلامية، ومن هنا تنبع أهمية فهم العوامل المرتبطة بهذه التصورات لدى طلاب الجامعات بوصفها مدخلًا لتصميم تدخلات تثقيفية تحد من الوصمة وتصحح المفاهيم المغلوطة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف تصورات طلاب الجامعات الكوريين حيال العقم والعوامل المرتبطة بها، معتمدة تصميمًا وصفيًا ارتباطيًا، وشارك فيها 159 طالبًا جامعيًا غير متزوج بلغ متوسط أعمارهم 21.6 عامًا، وشكلت النساء نسبة 79.2 في المئة من العينة، وأكمل المشاركون استبانة إلكترونية تضمنت مقياس إدراك العقم للنساء، ومقاييس للقوالب النمطية التقليدية للجنسين والقيم الأسرية
وعولجت البيانات إحصائيًا باستخدام اختبارات ت للعينات المستقلة، وتحليل التباين الأحادي، ومعامل ارتباط بيرسون، وتحليل الانحدار المتعدد، بما أتاح فحص الفروق بين المجموعات والعلاقات بين المتغيرات وتحديد الوزن التنبؤي لكل من القوالب النمطية والقيم الأسرية في تشكيل تصورات الطلاب حيال العقم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط درجة إدراك العقم لدى الطلاب 37.97 بانحراف معياري قدره 8.23، بما يشير إلى تصور إيجابي معتدل في عمومه لدى أفراد العينة
2، أظهر الطلاب الذكور، والمنتمون إلى انتماء ديني، ومن لم يتعرضوا لوسائط إعلامية عن تقنيات الإنجاب المساعد، تصورات أكثر سلبية حيال العقم من غيرهم، وكانت هذه الفروق دالة إحصائيًا عند مستوى 0.05 بحسب نتائج اختبارات الفروق بين المجموعات
3، ارتبط إدراك العقم ارتباطًا إيجابيًا بالقوالب النمطية التقليدية للجنسين بقيمة 0.541، وبالقيم الأسرية المؤكدة على الزواج والإنجاب بقيمة 0.584 وفق معامل ارتباط بيرسون
4، كشف تحليل الانحدار المتعدد أن القوالب النمطية للجنسين بمعامل قدره 0.370 والقيم الأسرية بمعامل قدره 0.457 فسّرا معًا 49 في المئة من التباين في إدراك العقم، وكان معامل التحديد المعدل 0.49، وجاءت النتائج دالة عند مستوى 0.001 لكلا المتغيرين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
أوضح الباحثون أن التمسك الأقوى بالأدوار التقليدية للجنسين وبالقيم الأسرية التي تعطي أولوية للإنجاب ارتبط بتصورات أكثر سلبية حيال العقم، وهو ما يبرز البعد الثقافي والقيمي في تشكيل الاتجاهات نحو قضايا الصحة الإنجابية، وتشير هذه النتيجة إلى أن التعامل مع وصمة العقم لا يقتصر على التوعية الطبية بل يمتد إلى معالجة القوالب الاجتماعية الراسخة التي تحمّل الأفراد أعباء نفسية واجتماعية
وتوصي الدراسة بدمج تثقيف حول العقم يراعي الحساسية تجاه قضايا الجنسين ويستعين بالوسائط الإعلامية في المناهج الجامعية واستراتيجيات الصحة العامة، بما يحسن التصورات ويحد من الوصمة ويعزز قرارات إنجابية أكثر صحة، ويمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الاستفادة من هذا الإطار في دراسة تصورات الشباب في مجتمعات تؤكد بدورها قيم الأسرة والإنجاب، ومقارنة أثر القيم التقليدية والتعرض الإعلامي في تشكيل هذه التصورات
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في مجتمعات تشهد تراجعًا في معدلات الزواج وتأخرًا في سن الإنجاب الأول، إذ تتداخل تصورات الشباب حيال العقم مع قراراتهم المستقبلية في تكوين الأسرة وطلب المساعدة الطبية المبكرة عند الحاجة، فكلما كانت التصورات واقعية ومتحررة من الوصمة ازدادت فرص التعامل المبكر مع مشكلات الخصوبة واستثمار خيارات تقنيات الإنجاب المساعد في توقيت مناسب
وخلاصة القول إن تصورات الشباب الجامعي حيال العقم لا تتشكل في فراغ معرفي، بل تصوغها منظومة القيم الأسرية والقوالب النمطية السائدة ودرجة التعرض للمحتوى الإعلامي المتخصص، ومن ثم فإن أي استراتيجية جادة للحد من وصمة العقم ينبغي أن تخاطب هذه الجذور الثقافية جنبًا إلى جنب مع المعرفة الصحية








