يؤثر الانضباط المدرسي في الطلاب السود تأثيرًا غير متناسب ويرتبط بتراجع نتائجهم الأكاديمية، إذ تدفع الممارسات الاستبعادية بعض الطلاب خارج المسار التعليمي الطبيعي، غير أن الآليات التي يقيد بها الانضباط الاستبعادي فرص إتمام الدرجات الجامعية، ودور الصحة النفسية في هذا المسار، ما تزال غير مستكشفة بما يكفي في البيانات الطولية المستمدة من أتراب ولادة حضرية كبيرة، فالفجوة بين التعرض للعقوبة في المدرسة الثانوية والحرمان لاحقًا من الشهادة الجامعية تمر عبر حلقات وسيطة تحتاج إلى تفكيك كمي دقيق
ومن أبرز هذه الحلقات أعراض الاكتئاب، إذ قد يحمل الطالب المعاقب عبئًا نفسيًا يضعف انخراطه في سلوكيات التوجه نحو الجامعة كالتقديم والاستعداد، فتتآكل فرصه تدريجيًا قبل أن تظهر النتيجة النهائية في سجلات الالتحاق والتخرج، كما يثار سؤال عما إذا كان هذا المسار الوسيط يختلف بحسب العرق أو الجنس أو شدة الأعراض ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت أعراض الاكتئاب تتوسط العلاقة بين الانضباط المدرسي وإتمام الدرجة الجامعية، وما إذا كان مسار الوساطة هذا يتباين بحسب العرق والجنس، واستخدمت بيانات دراسة مستقبل الأسر ورفاه الطفل بحجم عينة بلغ 1417 مشاركًا، ووظفت نمذجة المعادلات البنائية المعممة لاختبار نموذج وساطة متسلسل يبدأ من الانضباط المدرسي في عمر الخامسة عشرة مرورًا بأعراض الاكتئاب في العمر ذاته ثم بسلوكيات التوجه نحو الجامعة وصولًا إلى إتمام الدرجة عند عمر الثانية والعشرين، واختبرت الآثار غير المباشرة بفترات ثقة معادة المعاينة من ألف تكرار، وفحصت تحليلات التعديل اختلاف المسار بحسب العرق والجنس وشدة الأعراض
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تنبأ الانضباط المدرسي تنبؤًا دالًا بارتفاع أعراض الاكتئاب بمعامل بلغ 0.46 عند مستوى دلالة 0.001، وتنبأت الأعراض بدورها بانخفاض سلوكيات التوجه نحو الجامعة بمعامل بلغ سالب 0.02 عند مستوى الدلالة ذاته، وبانخفاض أرجحية إتمام الدرجة الجامعية بنسبة أرجحية بلغت 0.89
2، كان إجمالي الأثر غير المباشر عبر أعراض الاكتئاب دالًا إحصائيًا بمعامل بلغ سالب 0.06، وتراوحت فترة ثقته المصححة بين سالب 0.134 وسالب 0.017، بما يؤكد وساطة جزئية للصحة النفسية في هذا المسار
3، عدل الجنس مسار الانضباط والاكتئاب دون العرق، إذ رفع الانضباط أعراض الاكتئاب لدى الإناث بمعامل بلغ 0.78 الدال عند مستوى 0.001 مقابل معامل بلغ 0.21 غير الدال لدى الذكور، كما ضخمت أعراض الاكتئاب أثر الانضباط في إتمام الدرجة بنسبة أرجحية تفاعلية بلغت 0.39 عند مستوى دلالة 0.037
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتوسط أعراض الاكتئاب جزئيًا الأثر السلبي للانضباط المدرسي في إتمام الدراسة الجامعية، وتبلغ هذه الآثار ذروتها لدى الإناث، بما يوجب على مؤسسات التعليم العالي الاستعداد لدعم الطلاب الذين طبعت تجاربهم المدرسية بانضباط استبعادي، عبر خدمات إرشاد نفسي مبكرة وبرامج جسرية تراعي الخبرات التعليمية السابقة، كما تدعو النتائج صناع السياسات المدرسية إلى مراجعة العقوبات الاستبعادية وبدائلها التربوية وربط أي إجراء انضباطي بدعم نفسي مواز، وتفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التربوي والاجتماعي بأهمية إدماج مؤشرات الصحة النفسية في نماذج تفسير التفاوت التعليمي طويل الأمد بدل الاقتصار على التحصيل المباشر
وتندرج هذه الدراسة ضمن حقل متنام يربط بين العدالة التربوية والصحة النفسية طوليًا، إذ تراكم أدلة على أن التجارب المدرسية المبكرة، من انضباط وتعليق وسجلات سلوكية، ترافق الطالب في ملفاته وذاكرته النفسية إلى بوابات التعليم العالي، فلا تعود الشهادة الجامعية محصلة قدرات معرفية فحسب، بل محصلة مسارات مؤسسية ونفسية متشابكة، وهو ما يستدعي أدوات تحليل قادرة على نمذجة الوساطات المتسلسلة بدل الاكتفاء بارتباطات ثنائية مباشرة تخفي الآليات الحقيقية للحرمان التعليمي، وتزداد قيمة هذه الأدلة حين تستند إلى أتراب ولادة ممثلة تتبع الأفراد من الطفولة إلى الرشد، فتقل احتمالات الانحياز التي تصيب الدراسات الاسترجاعية قصيرة الأمد
وخلاصة القول إن العقوبة المدرسية الاستبعادية لا تنتهي آثارها عند باب المدرسة، بل تمتد عبر أعراض الاكتئاب لتقوض فرص إتمام الجامعة، ولا سيما لدى الإناث، بما يجعل إصلاح سياسات الانضباط مدخلًا للعدالة التعليمية والصحة النفسية معًا








